باستهدافها المستمر لمطار رامون ..مسيرات وصواريخ اليمن تعيد رسم خرائط الردع الإقليمي
لم يكن إعلان سلطات العدو عن توقف الإقلاع والهبوط في مطار رامون حدثًا تقنيًا عابرًا، بل هو تعبيرٌ عمليٌ عن تحول استراتيجي فارق في موازين القوى.
إن هذا القرار، الذي جاء كنتيجة مباشرة لضربات يمنية بمسيرات وصواريخ، يمثل نقطة انعطاف محورية في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي. لقد سقط "وهم الأمن الإسرائيلي المطلق" عند هذه النقطة، ليحل محله إدراك جديد بأن المجال الجوي للكيان لم يعد حكرًا عليه، وأن أدوات الردع التقليدية لم تعد صالحة لمواجهة ديناميكيات الصراع الجديدة.
أصيل علي البجلي
تآكل الركائز الأمنية وكسر الحواجز النفسية
من منظور استراتيجي، يعكس هذا التطور تآكل ركيزتين أساسيتين في عقيدة العدو الأمنية: الأولى، هي قدرة الردع الاستباقي التي فشلت في منع التهديد من الوصول إلى عمق الكيان. والثانية، هي فعالية المنظومات الدفاعية، وفي مقدمتها "القبة الحديدية"، التي أصبحت عاجزة عن توفير حماية كاملة ضد الأسلحة اليمنية الجديدة.
وبالتالي فإن قرار إغلاق مطار رامون ، الذي يُعد بديلاً استراتيجيًا لمطار بن غوريون، هو في جوهره اعتراف ضمني بفشل هذه المنظومات في مواجهة سيناريوهات معقدة وغير تقليدية وتأكيد في الوقت ذاته على أن ما قام به اليمن ليس مجرد استهداف عسكري، بل هو كسر لحاجز نفسي تاريخي كان يُحيط بكيان العدو. بعد أن كان المفهوم السائد أن "العمق الإسرائيلي" منطقة محرمة لا تُمس، وأن أية محاولة لاستهدافها ستُقابل برد ساحق. لكن الرد اليمني أثبت أن هذه النظرية لم تعد قائمة، وأن يد المقاومة قادرة على الوصول إلى حيث لا يتوقع العدو. وهذا يُعيد إلى الأذهان قوله تعالى: "وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا"، فكلما زاد العدوان، زادت قدرة المقاومة على الرد بعمق أكبر.
الردع السيادي والمشروع القرآني
الرد اليمني باستهداف مطار رامون لا يمثل مجرد عملية عسكرية، بل هو ممارسة لـ"الردع السيادي" الذي يهدف إلى فرض قواعد اشتباك جديدة. لقد تحوّل اليمن، بفضل قيادته الحكيمة ورؤيته الاستراتيجية، من دولة محاصرة إلى طرف فاعل يمتلك القدرة على التأثير في الجغرافيا السياسية للمنطقة. وهذا الإنجاز يعكس إتقانًا في استخدام القوة الرمزية، حيث لم يكن الهدف الأساسي هو إحداث أكبر ضرر مادي، بل تدمير الشعور بالأمان لدى العدو، وإحداث شلل اقتصادي ونفسي، مما يجعله يفكر ألف مرة قبل أي تصعيد جديد. وهذا يجسّد ما جاء في القرآن الكريم: "فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ".
بناء الوعي وتوحيد الصف ودروس المولد النبوي
تأتي هذه الضربات في سياق يمني واعٍ، يتم فيه ربط كل فعل عسكري بدلالة إيمانية وسياسية عميقة. إن حشود المولد النبوي، بتأكيدها على الولاء للرسول صلى الله عليه وآله، قد وفرت قاعدة شعبية متماسكة تدعم القرار الاستراتيجي للقيادة. هذا الوعي الجماهيري ليس مجرد عاطفة، بل هو رأس مال استراتيجي لا يُقدر بثمن، يُمكن القيادة من اتخاذ قرارات حاسمة، مثل ضرب مطار رامون، دون خشية من أي ردود فعل داخلية سلبية.
الدبلوماسية القسرية والرسالة العالمية
ما حدث في مطار رامون يتجاوز كونه ردًا عسكريًا، ليصبح أداة دبلوماسية قسرية تهدف إلى إيصال رسالة واضحة للمجتمع الدولي. إن اليمن، من خلال هذه الضربات، يمارس حقه في الدفاع عن النفس وكسر الحصار، ويعلن عن موقفه الثابت تجاه قضية فلسطين. هذا الموقف لا ينفصل عن الرؤية التي يتبناها السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، الذي لم يكتفِ بتأكيد الموقف اليمني المبدئي، بل دعا العالم، خاصة أهل الكتاب، إلى كلمة سواء تُنهي هذا الصراع. لقد وجه رسالة واضحة مفادها أن الصراع ليس دينيًا، بل هو صراع بين الحق والباطل، وأن القضية الفلسطينية هي قضية إنسانية وعادلة تتفق مع كل الكتب السماوية. وهو ما يجسد قوله تعالى: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا". إن هذه الدعوة ليست مجرد خطاب، بل هي جزء من استراتيجية متكاملة تهدف إلى عزل العدو وكشف زيف مشاريعه.
وهكذا، أثبتت وتثبت اليمن أن قوتها لا تكمن في سلاحها فحسب، بل في وعيها الذي هو أساس انتصارها. وأكدت أن الرد الأخير باستهداف مطار رامون، والمدعوم بوعي شعبي غير مسبوق، هو رسالة واضحة بأن الأمة الإسلامية، حينما تستلهم من نبراس نبيها، وتوحد صفوفها تحت قيادة واعية، فإنها قادرة على صنع المعجزات وإعادة كتابة التاريخ.