ضمن برنامج معالجة أضرار الكوارث والسيول والانهيارات الترابية والصخرية:

فعالية اختتام مشروع إسناد المبادرات المجتمعية لبناء وتأهيل ٥٩ منزلاً للمتضررين في ملحان
في أعقاب كارثة السيول المدمرة التي ضربت مديرية ملحان بمحافظة المحويت، تحولت مأساة الدمار إلى ملحمة إنسانية فريدة، حيث اجتمع الإصرار الشعبي والدعم الرسمي في بوتقة واحدة، ليخطا فصلاً جديداً من فصول الصمود اليمني في وجه الكوارث.

ضمن برنامج معالجة أضرار الكوارث والسيول والانهيارات الترابية والصخرية:

هذه الملحمة، والتي تعد ترسيخاً لقيم التكاتف والعمل التعاوني، لا شك في أنها مثلت جوهر الهوية التعاونية التكافلية التي يتمتع بها الشعب اليمني ولاسيما في ظل ظروف الكوارث والملمات.. تفاصيل :-

يحيى الربيعي
في فعالية الاختتام، التي أقيمت في 12صفر 1447هـ، سطعت قصة النجاح التي أثبتت أن المجتمع اليمني يمتلك القدرة على تجاوز المحن. فقد أعلن النائب الأول لرئيس الوزراء، العلامة محمد مفتاح، أن المشروع يُجسّد تجربة مجتمعية رائدة في البناء التعاوني، انطلقت من مبادرة ذاتية واعية، وتمكنت من تحويل الأزمة إلى فرصة للنهوض.. مبيناً أن ما تحقق في ملحان يعكس قدرة المجتمع على تجاوز التحديات بإمكاناته الذاتية متى ما توفر له الإسناد والتوجيه.
وأشار إلى أن انتقال المشروع إلى أرض بديلة أكثر أمانًا عن المواقع المتضررة، واختيارها بعناية، يُعد من عوامل نجاحه واستدامته.. مؤكدًا أن التخطيط السليم عنصر جوهري في مواجهة آثار الكوارث الطبيعية، لافتا إلى أن تجربة ملحان تستحق التعميم على مستوى المديريات والمحافظات، خاصة في ظل ما تشهده البلاد من جهود لتفعيل العمل التعاوني.
وأشار مفتاحً إلى أن البيئة المجتمعية في المديرية – بوعيها وتفاعلها ومؤسساتها- مثّلت ركيزة أساسية لإنجاح المشروع.. وقال: "إن ما نشهده اليوم يؤكد أن المجتمع اليمني لا يزال حياً ومبادراً، ويملك القدرة على تجاوز التحديات إذا ما تم تمكينه وتحفيزه"..
مؤكدا على أهمية التوسع في المبادرات لتشمل مجالات خدمية وحيوية كالتعليم والصحة وشق الطرقات. وأشار النائب الأول لرئيس الوزراء إلى أن وعورة المنطقة تتطلب تكاتفاً أكبر لتسهيل تنقل المواطنين وخدمتهم.
من جانبه، وصف نائب رئيس الوزراء - وزير الإدارة المحلية، محمد المداني، مشروع ملحان بأنه "نقلة نوعية" في مسار المبادرات المجتمعية، حيث قاد أبناء المديرية زمام المبادرة، بينما كانت الجهات الرسمية والمؤسسية مساندة ومُيسرة. وشدد المداني على أن هذا النموذج يؤكد الحاجة لتفعيل القطاع التعاوني كرافد ثالث للتنمية، وفتح آفاق جديدة للنهضة المجتمعية من الداخل.
وقال: "نحن اليوم لا نحتفل بما قدمته الحكومة، بل نحتفل بما قدّمه هذا المجتمع العظيم من نموذج ناصع في التكاتف والعمل المشترك".. موضحا أن جمعية ملحان وأبناؤها قادوا مبادرة تستحق أن تُعمم وتُدرّس، لأنها تفتح أفقاً جديداً نحتاجه في المرحلة المقبلة، وهو أفق القطاع التعاوني الذي سيكون ركيزة أساسية إلى جانب القطاعين العام والخاص. ونوّه المداني إلى أن ما يقدمه اليمن من مواقف مبدئية في مناصرة القضية الفلسطينية، رغم الحصار والعدوان، لم يثنِ أبناءه عن البناء والإنتاج.. مشيراً إلى أن التوكل والعمل التشاركي هما سر استمرار الإنجاز في مختلف المحافظات.
بدوره، أشاد محافظ المحويت حنين قطينة بالدور الفاعل لمؤسسة بنيان التنموية، ومساهمة الجمعية التعاونية والمجتمع المحلي.. معتبرًا ما تحقق في ملحان أنموذجاً قابلاً للتكرار في بقية المديريات، خاصة في ظل ما تتميز به التجربة من وعي وتنظيم وتكامل.
فيما أوضح رئيس قطاع التنسيق الميداني في مؤسسة بنيان التنموية المهندس علي ماهر، أن المشروع بُني على رؤية تشاركية منذ لحظة تحديد الأولويات واختيار الموقع الجديد وحتى تنفيذ البناء..
مشيراً إلى أن المؤسسة تؤمن بأن المجتمع هو حجر الأساس لأي تنمية مستدامة. وذكر أنه وإلى جانب مشروع إعادة الإعمار تم العمل في 96موقعا مهددا وإزالة التهديدات في عدد 44 موقعا بمبادرات مجتمعية وإسناد من المؤسسة والسلطة المحلية بالمديرية وجمعية ملحان التعاونية. وبين ماهر أن التنسيق بين المؤسسة والسلطة المحلية والجمعية وأبناء المديرية أسهم في إنجاز المشروع وتحقيق أثر ملموس على المستوى الخدمي والاجتماعي.
من جانبه، أوضح مدير مديرية ملحان غمدان العزكي، أن المشروع أعاد الاستقرار لعشرات الأسر التي فقدت مساكنها بفعل السيول.. مؤكدًا أن المديرية ماضية في دعم المبادرات المجتمعية في مختلف القطاعات، مستفيدة من الروح التعاونية التي أفرزتها هذه التجربة النموذجية.
في حين أوضح أمين عام جمعية ملحان التعاونية حسن سود، أن الجمعية عملت منذ اللحظة الأولى على حشد الجهود المجتمعية وتنظيمها، وتوفير بيئة تعاونية فاعلة أسهمت في نجاح المشروع.. مشيرًا إلى أن الثقة المتبادلة بين المجتمع ومؤسساته كانت حجر الأساس في تحقيق هذا الإنجاز. ولفت إلى أن الجمعية ستواصل أداء دورها في تحفيز المبادرات المجتمعية، وتعزيز مبدأ الاعتماد على الذات، بما يسهم في تحسين الواقع الخدمي والمعيشي في المديرية.

ملحان.. الكارثة التي ولدت المبادرة
كانت مديرية ملحان، قبل عام، قد تعرضت لكارثة طبيعية مروعة، حين اجتاحتها سيول عارمة حطمت كل الحواجز، وجرفت المنازل، مخلفةً وراءها دماراً شاملاً وخسائر بشرية فادحة. لقد أعلنت المديرية منطقة منكوبة، وتحدثت التقارير عن انتشال جثث العشرات من الضحايا، بينما بقي مصير آخرين مجهولاً تحت الأنقاض. في خضم هذه المأساة.
في ظل هذه الأوضاع العصيبة، طل السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي في كلمته بتاريخ 25صفر 1446هـ الموافق 29أغسطس 2024م، مشيراً إلى أن الكوارث وما ينتج عنها من وفيات وأضرار "تحصل أحياناً من بعض الكوارث المؤسفة والمؤلمة.. وفي هذا المقام نتوجه بالعزاء والمواساة لكل الأسر التي فقدت ضحايا في الكوارث التي حصلت، وحصلت أضرار كذلك، أضرار على الكثير من الناس، لاسيما في بعض المحافظات".
وعزا السيد القائد، حفظه الله، جزءاً من هذه الأضرار إلى عوامل مثل "البناء العشوائي في مجرى السيول، ومصبات السيول، وكذلك عندما يكون هناك بعض الحواجز المائية، التي إن انهدمت اتجه ضررها بكله على بعض المناطق السكنية.

تحديات لم تثنِ عزائم الأبطال
من رحم هذه الكارثة، انبثقت إرادة رسمية وشعبية لا تقهر، فكانت استجابة القيادة السياسية سريعة وحاسمة، حيث وجه رئيس المجلس السياسي الأعلى، مهدي المشاط، ببذل أقصى الجهود لإنقاذ وإغاثة المتضررين. هذه التوجيهات ترجمتها الحكومة برئاسة الأستاذ أحمد غالب الرهوي إلى "برنامج طارئ لإعادة الإعمار". البرنامج الطارئ لإعادة الإعمار كجزء من تدخل تنموي شامل يهدف إلى تمكين المجتمعات المحلية ليس فقط من تجاوز آثار الكوارث، وإنما بتحويل الأزمة إلى فرصة لبناء قدرات ذاتية وتحفيز العمل الجماعي وتحقيق تنمية مستدامة.
وقد اعتمد البرنامج على نهج تشاركي فعال، ركز على إشراك المجتمع في جميع مراحل العمل، من التخطيط والتنفيذ وصولاً إلى المتابعة والتقييم، لضمان الفاعلية والاستدامة. كما سعى إلى تعزيز المبادرات المجتمعية، وتفعيل دور الجمعيات التعاونية، وبناء شراكات قوية مع السلطة المحلية وفاعلي الخير.
لم تكن رحلة إعادة الإعمار مفروشة بالورود، فبحسب منسق البرنامج الطارئ لمشاريع إعادة الإعمار، صالح القاسمي، واجهت الفرق الميدانية تحديات جسيمة، بدءاً من قلة المعلومات حول المتضررين وعدم توفر أراضٍ بديلة آمنة، وصولاً إلى وعورة الطرق وصعوبة نقل مواد البناء.
إلا أن هذه التحديات، بدلاً من أن تكون عائقاً، أثارت في نفوس أبناء ملحان روحاً ابتكارية. فقد جرى التغلب عليها عبر تفعيل فرق مسح ميداني، وتكليف عمالة ماهرة من مناطق أخرى، وتدريب الكوادر المحلية على رأس العمل. يؤكد القاسمي على أن "في صلب التحديات التي خلفتها الكوارث، تتجلى قوة المشاركة المجتمعية كعنصر أساسي في إعادة البناء وتقوية الروابط الإنسانية".
من جانبه، سلط أحمد قاسم قعبل، مساعد منسق البرنامج الطارئ لمشاريع إعادة الإعمار، الضوء على الجانب التنموي لهذه المشاريع. أوضح قعبل أن التركيز كان على بناء قيادات مجتمعية تنموية قادرة على تجاوز التحديات ذاتياً، من خلال تدريب "فرسان التنمية". هذا النهج يهدف إلى ترسيخ ثقافة "تحمل روح المسؤولية" لدى الأفراد، وتحويل "التفكير السلبي أو الضيق إلى التفكير الإيجابي".
وقد لعبت الجمعيات التعاونية دوراً محورياً في تنظيم هذه الجهود وحشد الطاقات المجتمعية، كما أكد أمين عام جمعية ملحان، حسن سود، الذي أوضح أن "الثقة المتبادلة بين المجتمع ومؤسساته كانت حجر الأساس في تحقيق هذا الإنجاز".

نداءٌ المعاناة.. مأساة الطرقات في مديرية ملحان تتفاقم
في خضمّ الاحتفال بالانتصارات والإنجازات، تتوارى مأساة إنسانية عميقة في مديرية ملحان، حيث تتحوّل الطرقات المتهالكة إلى كابوس يومي يهدد حياة الآلاف. تصريحات منصور الديالمي تكشف عن واقع مرير يعيشه أهالي قرى "الوهط، المراحل، العنقة، والحصن، وكوز" بعزلة "جبع"، حيث تتفاقم أزمة نقص الخدمات الأساسية لتصل إلى مستويات لا تُحتمل. على مدى عقود، تجاهلت الأصوات المطالبة بتحسين البنية التحتية، ليجد الأهالي أنفسهم اليوم في مواجهة ظروف قاسية تهدد أبسط مقومات الحياة الكريمة.

طريق "جبع".. شريان الحياة المقطوع
تكمن جوهر المأساة في طريق يمتد لمسافة 5.5كيلومترات، يربط شمال وجنوب المديرية بشمال غربها. هذا الطريق، الذي لا يتطلب لإعادة تأهيله سوى مليون ريال يمني، تحول إلى عائق حقيقي يعيق حركة الحياة بشكل كامل. يضطر الأهالي، من رجال ونساء وأطفال، لقطع مسافات تصل إلى أربعة كيلومترات لجلب المياه، في رحلة شاقة تنتهي غالبًا بالإرهاق وضياع الجهد. وتتفاقم المعاناة في الحالات الطارئة، خاصة عند نقل المرضى وحالات الولادة الصعبة، حيث يفتقرون إلى أبسط سبل المساعدة، ناهيك عن صعوبة نقل الإمدادات الغذائية والمستلزمات الحياتية الأخرى. إنها معاناة يومية تفرض نفسها على أكثر من 30ألف نسمة في عدة عزل، وتتطلب تدخلاً عاجلاً.
في مشهد يعكس حجم اليأس والإصرار، أطلق الأهالي مبادرة ذاتية لإعادة تأهيل الطريق. لكن الواقع المرير يفرض تحديًا جديدًا، فمع حرمانهم من إمدادات الديزل الحكومية، يضطرون لدفع أسعار باهظة تصل إلى 15 ألف ريال يمني مقابل ساعة عمل واحدة لمعدة الشق. هذه التكاليف تفوق قدرتهم على التحمل، وتستنزف قوتهم اليومي من أجل شق طريق أصبح شريان حياتهم.

تضحية ونداء من عمق الأزمة
في قلب هذه المبادرة، تبرز قصة رجل باع كل ما يملك، حتى ذهب زوجته، لتمويل مشروع الطريق. لم يكتفِ بذلك، بل نقل معدات ثقيلة من عمران لدعم المبادرة، وفي لحظة صدق تعكس حجم المعاناة والإيمان بالقضية، أعلن استعداده للتبرع بإحدى كليتيه لتوفير ثمن الديزل وأجرة المعدات. هذه التضحية الكبرى ليست مجرد قصة فردية، بل هي صرخة استغاثة تعكس حجم اليأس والحاجة الملحة للدعم. ولهذا السبب، يجدد الديالمي نداءه للجهات المختصة وفاعلي الخير لتقديم يد العون وإعادة الروح لمبادرة توقفت بسبب نفاد التمويل.

طريق "الوهط".. أمل جديد يواجه التحديات
على صعيد متصل، يبرز مشروع طريق الوهط، الذي يربط خط الملباخ بباب الناقة بخط مديرية ملحة الملكة. هذا الطريق، بحسب الديالمي، ليس مجرد مسار، بل هو شريان استراتيجي يعزز حركة التجارة والتواصل. في الوقت الحالي، يضطر المواطنون، للوصول إلى مركز المديرية، إلى قطع مسافة 95كيلومتر ودفع 25ألف ريال، مرغمين على العبور عبر مديريتي باجل والضحى. لكن استكمال طريق الوهط سيعمل على اختصار هذه المسافة إلى 13كيلومترًا فقط، مما يوفر الوقت والمال على المسافرين ويخفف من معاناتهم. هذا المشروع يعد خطوة حاسمة نحو مستقبل أفضل للمديرية، ويخدم أكثر من ثلاثين ألف نسمة، فهل ستجد هذه النداءات آذانًا صاغية لتنقل أهالي ملحان من ظلام المعاناة إلى نور الأمل؟


طباعة