المملكة السعودية .. من الهيئة إلى الهيئة ومن آل الشيخ إلى آل الشيخ
وسيم عبدالله حليف/
منذ تأسيسها ونشأتها حرصت السلطة السعودية على بناء تيار ديني قوي يساندها في الصعاب مقابل أن تسنده هي في بسط سيطرة فكرية على المجتمع السعودي في تخادم نفعي مصلحي بالدرجة الأولى كما كان واضحا طيلة عقود من العلاقة بين الطرفين
والتي كانت أبرز أهدافها استخدام الدين في تحصين السلطة من أي زعزعات أو نشاط سياسي أو مجتمعي وترهيب الشعب السعودي بالفتاوى التي تجرم الخروج على الحاكم أو رفض أي من توجهاته أو تصرفاته مهما كانت حتى وإن كان بعضها يتنافى مع تعاليم الدين الحنيف ، وفي هذا السياق تم تأسيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المحسوبة على التيار الديني لتعمل كجهة رسمية تحت سلطة الدولة ومنحها صلاحيات ومهام عديدة بعضها قمعية .. تفاصيل في السياق التالي :
تأسست ونشأت واستمرت علاقة التخادم النفعي المصلحي بين مؤسستي الحكم والمؤسسة الدينية في المملكة السعودية وتنامت طيلة فترات حكم عدد من ملوك السعودية واستمر التخادم التي كان من أهم أولوياته حث المجتمع السعودي على إلتزام الطاعة المطلقة لولي الأمر مهما بلغت تجاوزاته أو مخالفاته.
الجامية المدخلية وحركة الصحوة
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض مشائخ السعودية لم يلتزموا هذا الخط وهذا النهج ففي العقود الأخيرة من القرن العشرين شهدت المملكة ما عرف بحركة الصحوة التي كان من أبرز رموزها : سلمان العودة، سفر الحوالي، سعد البريك، عايض القرني.
فكر هؤلاء وحركة صحوتهم كان أقرب نوعاً ما إلى فكر حسن البناء الذي لا يتناسب مع فكر الجناح الديني المسيطر في السعودية والذي يغلب عليه مجموعة ممن يسمون بالجامية المدخلية التي تثير العداوات داخل البيت المسلم مع كل الأطراف وفي أكثر من اتجاه بما في ذلك المعاداة لتيارات فكرية قريبة أو متوافقة معها في أمور كثيرة، لكن حركة الصحوة حوربت لاحقا وتمت ملاحقة رموزها وفي هذا تفصيل سنأتي عليه لاحقا.
هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
تاسست هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية في العام 1940م والتي كان من أبرز مهامها القيام بدوريات في الشوارع والأسواق والأماكن العامة للتأكد من تطبيق القواعد الإسلامية، وكذلك التأكد من الفصل التام بين الجنسين والدعوة إلى الصلاة ومراقبة وإغلاق الأسواق الإجباري وقت الصلاة .
هيئة كبار العلماء السعودية
في العام 1971م تأسست هيئة كبار العلماء السعودية وهي هيئة دينية حكومية ترأسها عبدالعزيز آل الشيخ وهو كذلك المسيطر لسنوات طويلة على منصب مفتي عام المملكة ويعد من ابرز الداعمين للسلطة هناك وقد تعرض لمواقف محرجة خلال برامج فتاوى مباشرة له في بعض الفضائيات بعد طرح أسئلة صريحة حول عدد من القضايا الجدلية في المملكة والمنطقة والتي بعضها يرتبط بالعلاقة بين المجتمع والسلطة وواجبات كلا منهم.
مشايخ سلطة بولاء مضمون
برزت كذلك خلال العقود الماضية العديد من أسماء المشايخ الذين ربطتهم علاقة وثيقة بالسلطة الحاكمة في السعودية ومنهم بن عثيمين وبن باز وتلميذهما أو خليفتهما صالح الفوزان.
سبق ولحق كل ما مضى تيارات عديدة ومشايخ ضمنت الأسرة السعودية الحاكمة ولائهم جميعا عدا من ظهرت أصواتهم خلال السنوات الأخيرة كأصوات رفض لبعض توجهات المملكة السعودية والذين تم اعتقالهم جميعاً خلال سلطة محمد بن سلمان ووالده وغُيبوا تماما عن الأنظار وعن العالم رغم مناشدات حقوقية دولية بالكشف عن مصيرهم ومحاكمتهم محاكمة عادلة أو الأفراج عنهم.
دعوات إفراج عن المعتقلين
في العام 2020 دعت منظمة سكاي لاين الحقوقية الدولية ومقرها ستوكهولم، إلى تحرك دولي جاد للضغط على السعودية للإفراج عن عشرات المعتقلين في قضايا الرأي من المفكرين والعلماء والصحفيين والحقوقيين.
وشددت المنظمة على وجوب تحرك جدي من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ذات العلاقة لوقف تصاعد انتهاكات الحريات العامة بالسعودية والتحقيق في حملات الاعتقال بسبب ممارسة الحق في حرية الرأي والتعبير. بينما دعت هيومن رايتس ووتش إلى الأفراج الفوري عن العلماء المعتقلين ومن هؤلاء المشائخ سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري وعبد العزيز الطريفي وسفر الحوالي، وصالح آل طالب الذي كان إماما للحرم المكي والذين تم اعتقالهم منعا لأي انتقادات تطال الدولة وأي تصرفات أو توجهات لها علاقة بهذا الجانب ولا ننسى المغيب منذ زمن بعيد الداعية المجاهر بالحقيقة خالد الراشد الذي تم اعتقاله وتغييبه بعد إلقائه خطبة "يا أمة محمد" التي انتقد فيها الرسوم المسيئة لنبينا الكريم وحُكم عليه بالسجن لمدة 15 عامًا في عام 2005م، ثم زادت المحكمة الحكم عليه ، كما لا ننسى التذكير بأن الوحيد الذي نجا من هذا التيار يكاد يكون عائض القرني لعودته الملحوظة إلى التناغم مع السلطة السعودية تجاه العديد من القضايا.
قرار بن سلمان بحل الهيئة
بعد نجاح محمد بن سلمان في إقناع الأمريكان بأنه البديل الأنسب للجميع في قيادة المملكة خلفاً لوالده الذي كان يفترض أن يخلفه في الحكم وفقا لنظام هيئة البيعة كل من : مقرن بن عبدالعزيز ومحمد بن نايف وعلى العكس من ذلك تم الإطاحة بهما في غضون أشهر قليلة على مرأى ومسمع وبعد تخلص بن سلمان من كل خصومه وكل العقبات التي أمامه بدأت تظهر ملامح الرضا الأمريكي عن الشاب الطامح الصاعد حديثاً إلى ولاية عهد والده الذي لم يعد له أي نشاط عملي يذكر باستثناء الظهور في بعض الاجتماعات الداخلية الرسمية المحدودة من أجل التصوير لربما فقط لا غير.
في العام 2019 تم حل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستبدالها بـ الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحديد مهام الأخيرة بما يضمن تحقيق التوازن بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحفاظ على الحقوق والحريات كما جاء في نص القرار ، وكما هو واضح واتضح لاحقا فقد كانت هذه الخطوة الأولى للتخلص النهائي من عبئ هذه الهيئة التي أصبحت غير متوافقة تماما مع متطلبات المرحلة القادمة وتتنافى مهامها مع نظام الترفيه الجديد الذي تهرول نحوه السعودية الجديدة وتسليم الدور الجديد للهيئة العامة للترفيه والتي ورغم قدم الإعلان عن تأسيسها في العام 2016 وترأسها من قبل شخصيات أخرى أطيح بها لاحقا.
الترفيه بدلا عن الأمر بالمعروف
الانطلاقة الحقيقية لهيئة الترفيه كانت بعد تعيين تركي آل الشيخ رئيسا رسميا لمجلس إدارتها وذلك في ديسمبر من العام 2018 والذي وصف بالمقرب جدا من محمد بن سلمان وشهدت السعودية تحولات متسارعة وغير متوقعة في مجال الانفتاح والترفيه وإقامة العروض الفنية الراقصة والمختلطة عبر استجلاب مشاهير الغناء والرقص والاستعراض من مختلف أنحاء العالم بينهم أسماء وشخصيات مثيرة للجدل من أصحاب المواقف والتصريحات المسيئة للإسلام ، وأثارت التحولات السريعة هذه غرابة عند مواطني المملكة ممن جرى تداول عدد من التسجيلات المصورة لهم وهم يستهجنون من خلالها الحملة الممنهجة التي يقودها أميرهم الجديد والتي تستهدف المجتمع السعودي في دينه وأخلاقه وقيمه حد تعبير عدد من هؤلاء ووصل الأمر حد أن يبدي أحد الآباء انزعاجه الشديد من أنهم قد وصلوا إلى مرحلة لا يستطيعون فيها الحفاظ على أولادهم وبناتهم من شر ما يحدث هناك وتم تداول هذه التسجيلات على نطاق واسع على المنصات العربية بعضها واضحة وبعضها مع محاولة الأشخاص ذاتهم إخفاء هوياتهم خوفاً من أي ملاحقات أمنية في البلد الأكثر تضييقاً لحرية التعبير ، ومما أثار الجدل من بين فعاليات وفقرات مواسم الرياض المتعاقبة أغنية (سعودية أو نانا) للمطربة الاستعراضية العالمية كاميلا كابيلو والتي حولت كلماتها من أغنيتها الشهيرة (هافانا أونانا) ورافق الأغنية عروض لراقصات بملابس فاضحة ما تسبب في ضجة واسعة النطاق عربياً وعالمياً وردود فعل غاضبة لجماهير ونخب عربية وإسلامية هاجمت الرياض بشدة.
مواقف ردة ثابتة عن قيم وقضايا الأمة
حتى وإن كان يحسب لابن سلمان بعض المشاريع الاقتصادية التي تم افتتاحها أو الإعلان عنها على هامش رؤية المملكة عشرين ثلاثين ذات الطابع الاقتصادي ، وكذا شروع المملكة في التقليل من حدة الخطاب المؤجج للطائفية في المنطقة وبين أبناء المسلمين والذي دأبت عليه في فترات سابقة أكثر إلا أن المملكة كانت ما زالت تغذي الاضطرابات والصراعات المسلحة في عدد من الدول العربية والإسلامية خدمة لمشاريع القوى العالمية الطامعة والمتربصة بالأمة إضافة الى تخاذلها ودفعها دولا وأنظمة عربية وإسلامية إلى التخاذل عن القضية الفلسطينية وما يحدث في غزة من حرب إبادة مستمرة على يد الكيان الصهيوني وتماهيها الكامل مع ذلك كما ولا تخفي الرياض استهدافها الواضح لقوى المقاومة وحركات التحرر في فلسطين والمنطقة خدمة لذات المشاريع ورغم التحولات المتسارعة تبقى مواقف ردة المملكة عن قضايا الأمة والسعي لتدمير القيم الإسلامية الأصيلة للمجتمع السعودي والمجتمعات العربية هي الأمر الثابت لا تزال تشهد الرياض ومناطق في المملكة من حين لآخر حفلات تنكرية ما كان لأحد أن يتخيل أن تقام على مقربة من الكعبة المشرفة.