فيما تؤكد التقييمات الأولية هزيمة أمريكا وسلامة منشآتها النووية : حرب بلا دخان في إيران
لم تعد حرب اليوم حرب صواريخ وطائرات ودبابات فقط ، بل أصبح هناك حروب متعددة ومتنوعة منها حرب الاستخبارات الخفية وحرب التكنولوجيا الرقمية التي تتحرك جيوشها السيبرانية بلا حدود ولا قوانين وتمارس عدوانها ضد الشعوب والدول من خلف الشاشات والأنظمة الإلكترونية.
أخطر ما في هذه الحرب أنها حرب بلا دخان لا تُرى بالعين المجردة ولا تُسمع ضوضاؤها ، لكنها قادرة على إسقاط حكومات وتفكيك مجتمعات وشلّ مؤسسات بالكامل.
في هذا السياق ومنذ عقود، عملت أمريكا وإسرائيل وبريطانيا وأعوانهم على بناء نسيج جاسوسي داخل البلدان العربية والإسلامية، بدءًا من شراء الذمم بالمال، إلى زرع العملاء في مواقع حساسة، وربطهم بسفارات وقنوات دبلوماسية ظاهرها الدعم والعون، وباطنها تنسيق استخباراتي مباشر.. تفاصيل في السياق التالي:
طلال الشرعبي
كدولة إسلامية وقعت إيران في دائرة الاستهداف الأمريكي الصهيوني البريطاني بهذه الحرب الخفية الاستخباراتية وتم تجنيد عملاء وجواسيس داخل المجتمع الإيراني وربطهم بأجهزة الموساد والمخابرات المركزية الأمريكية لتنفيذ أعمال التجسس الممنهجة وطويلة الأمد .. وانتظار اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة القاضية لإيران من الداخل عسكريا وسياسيًا واقتصاديًا .
وقبل أن يهاجم إيران من الخارج رسم العدو الصهيوني الأمريكي خطة إسقاطها من الداخل واعتمد العدو لذلك حربه الاستخباراتية التجسسية مستخدما مجموعة واسعة من الأدوات والتقنيات لجمع المعلومات واختراق الأنظمة وشمل أهم ما ارتكز عليه العدو في حربه الخفية تجنيد العملاء ومراقبة واختراق التطبيقات الذكية الشائعة مثل واتساب ، تيليغرام ، فيسبوك، إنستغرام، تويتر ، لمراقبة سلوك وتحركات القيادات المستهدفة وجمع البيانات الشخصية عنها إضافة إلى استخدام البرمجيات الخبيثة والتطبيقات المزروعة في بعض البرامج المجانية أو المعدلة التي تستخدم لاختراق الأجهزة وسرقة البيانات ، وكذا المواقع الإخبارية والدعائية التي تدار من مراكز استخباراتية وتبث رسائل موجهة لزرع الإحباط أو التضليل ، التحليلات الضخمة للبيانات التي يستخدمها العدو لرصد الاتجاهات والاهتمامات وتوجيه الدعاية أو التهيئة النفسية المسبقة.
خلايا نائمة
ومع بدء العدوان الإسرائيلي، تكشّفت خلايا التجسس النائمة التي كانت تمدّ العدو بالمعلومات الدقيقة عن المواقع والأفراد وكشفت حرب المواجهة العسكرية التي استمرت 12 يوما عن أكبر شبكات التجسس التي ارتبطت بالموساد وربطت الداخل الإيراني بالخارج المعادي.
رهان خاسر
ورغم ما تمتلكه أمريكا وإسرائيل من أنواع متعددة ومتطورة من الطائرات والأسلحة المدمرة فقد ظل الرهان على تحقيق أهداف الحرب الأخيرة على إيران قائما على دور وتأثيرً أولئك الجواسيس الذين تسلّلوا أو تم تجنيدهم في الداخل الإيراني وظلوا يتخفون بهيئة مواطنين، يتغلغلون ويعملون في مجالات ظاهرة وخفية، ويتحدّثون بلسان إيراني ، ويزرعون أعين الموساد والسي آي إيه في كل مدن ومناطق الجمهورية الإسلامية الإيرانية .
فضيحة أمنية للعدو
لكن ما أعد وخطط له العدو لضرب إيران من الداخل تحوّل إلى فضيحة أمنية للعدو، حين تمكّنت الاستخبارات الإيرانية من اختراق الشبكة، وتفكيكها، وكشف تفاصيل عملياتهم وارتباطاتهم الداخلية والخارجية. وقطع اليد الصهيونية التي امتدت بالخفاء، والتي كان العدو قد أنشأ لها غرف عمليات ومعامل تجسس وصناعة متفجرات وطائرات مسيّرة، والكثير من الأعمال الخبيثة التي كان يديرها عدد من الأشخاص الذين يشبهون أبناء المجتمع الإيراني تمامًا في المظهر والتديّن والتصرفات، لكنهم جواسيس معقّمون يُطلقون الضربة من قلب الوطن. يحملون أحدث أجهزة الرصد، يزرعون المتفجرات، ويختبئون في المدن، والجبال، والقرى، بل حتى بين الأسر ويصدق فيهم قول الله تعالى:﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ..﴾.
رد منظم ومدروس
كان العدوان الأخير جزءاً من مشروع أشمل لترامب ونتنياهو هدفه تحويل الكيان المؤقت إلى المرجعية السياسية والعسكرية العليا في المنطقة وفرض معادلة "الأمن مقابل الخضوع"، غير أن الرد الإيراني المنظّم والمدروس أوقف هذا المشروع عند حدّه وأعاد التذكير بأن الكيان الصهيوني ليس إلا قاعدة متقدمة للمشروع الغربي وليس قوة مستقلة ذات سيادة حقيقية.
اعترافات غربية
لقد أراد ترامب ونتنياهو انتصاراً استراتيجياً يصحح فشلهما في غزة ويستعيد صورة أمريكا وإسرائيل التي لا تُقهر" وفي هذا السياق جاء التدخل الأمريكي العدواني السافر المنافي لكل الأعراف والقوانين الدولية باستهداف الطائرات الأمريكية للمنشآت الإيرانية الأمريكية .. وإعلان ترامب حينها عن تدميرها بالكامل قبل أن تكشف الاعترافات الغربية مؤخرا واحدة تلو الأخرى فشل الهجمات الأمريكية والإسرائيلية في تدمير البرنامج النووي الإيراني من خلال تصريحات متقطعة وتقارير استخبارية مُسرّبة بل وحتى تلميحات على لسان مسؤولين أمريكيين وإسرائيلين أكدوا أن الضربات الأمريكية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية لم تحقق أهدافها وأن تأثيرها كان محدوداً وغير حاسم.
انتصار ونقلة نوعية
وبشكل عام جاء الرد الإيراني ليس فقط ليُفشل هذه الغاية بل ليهدم الصورة بالكامل. وهكذا تهاوت فكرة أن "تل أبيب تقرر وتنفذ دون رد" وعادت المنطقة إلى واقع جديد يفرض على الجميع التفكير ألف مرة قبل استهداف إيران أو حلفائها.
لقد أثبتت الجمهورية الإسلامية أنها ليست مجرد دولة تحمي نفسها بل أصبحت لاعباً مركزياً يملك القدرة على ردع أكبر تحالف عدائي في المنطقة – التحالف الصهيوأمريكي – وإعادة ضبط التوازنات وفقاً لمصالحها ومصالح محور المقاومة.
هذا الانتصار لم يكن رمزياً فحسب بل شكّل نقلة نوعية في إدراك الخصوم قبل الحلفاء لطبيعة الردع الإيراني. فإيران اليوم لم تعد تحت سقف التهديد بل كسرت هذا السقف وأثبتت أن الزمن الذي كانت فيه طهران محاصرة سياسياً أو عسكرياً قد ولى.
حرب بلا دخان
وأعقاب انتصارها على العدوان الصهيوأمريكي وفيما تؤكد التقييمات الأولية هزيمة أمريكا وسلامة منشآتها النووية وعلى مسار الاستمرار في مداهمة أوكار خونة وأعداء الداخل تخوض إيران اليوم غمار معركة جديدة معقّدة ليست مجرد مواجهة عسكرية بل حرب استخبارات استثنائية مع عملاء الموساد وأعداء الطبقات الخفية .. يمكن وصفها بالحرب بلا دخان التي سيكون لها أبعادها ومعادلاتها السياسية والأمنية والعسكرية المستقبلية.
وبات من الواضح أن إيران غيّرت قواعد المواجهة والحرب مع العدو ليس من موقع رد الفعل ، بل من موقع الفهم العميق لطبيعة العدو وحدود قدراته ومخططاته .
وفي هذا السياق تواصل أجهزة الاستخبارات والأمن الإيرانية تفكيك شبكات عملاء "الموساد" و"إم آي 6"، حيث أكدت وزارة الاستخبارات الإيرانية أنها تخوض معركة شرسة مع الأعداء في الطبقات الخفية من جبهة القتال وأنها تعتمد على شبكات مختلفة لجمع المعلومات الاستراتيجية والسرية للغاية وأن اكتشاف العملاء وضباط الاستخبارات والجواسيس من الاستخبارات المركزية الأمريكية و"الموساد" و"إم آي 6" على جدول أعمالنا.
وجاء أيضا تأكيد أجهزة الاستخبارات والأمن الإيرانية أنها اعتقلت 700 عميل للكيان "الإسرائيلي" يعملون بشكل رئيسي في شبكات التجسس والتخريب خلال فترة العدوان.
التفاف وتلاحم شعبي
وفي مشهد يجسد عظمة الالتفاف والتلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادته العظيمة وقواته المسلحة وأجهزته الاستخباراتية والأمنية تتجلى حقيقة الوفاء الذي يسكن قلوب الجماهير الإيرانية الممتلئة بالإيمان وقلوب القادة الذين أحبّوا شعبهم، ولن يخذلوه أو يُخذلوا أبدًا.. لتستمر معركة ملاحقة ومداهمة أوكار الخونة والعملاء في كل مكان .. وهي المعركة التي جاء الإعلان عن جديد إنجازاتها على لسان المتحدث باسم الشرطة الإيرانية الذي أعلن عن إلقاء القبض على عميل تابع للموساد في محطة مترو “إمام خميني”، كان يعمل على تصنيع الطائرات المسيّرة والطائرات الصغيرة في غرب محافظة طهران. وكان يقوم أيضاً بإعداد تقارير حول أداء الدفاع الجوي للبلاد من خلال التواصل مع الشبكة الداخلية. كما قام هذا الشخص بإرسال مواقع دقيقة ومفصلة لمناطق حساسة، وقد تم اعتقاله من قبل جهاز الاستخبارات التابع لشرطة العاصمة.
وجاءت أيضا هتافات الجماهير الإيرانية خلال مراسم تشييع وطنية لـ60 شهيدًا من ضحايا العدوان الصهيوني على إيران، شملت قادة وعلماء ونساء وأطفال حيث رفع المشاركون شعارات حازمة وجهت رسائل قوية لأعداء إيران والقوى الاستكبارية والاستعمارية منها : مريكا لم تعد قوة عظمى .. اطردوا المفتشين الدوليين (الجواسيس) .. قدراتنا النووية في عقول العلماء، لا في المباني حتى لو أقطر القلب دماً، لن نعطي ذرة واحدة من هذه الأرض للشيطان .. انهارت هيبة أمريكا الكرتونية.