مشهد اللحظة الفاصلة (قراءة تحليلية في مصير المنطقة والعالم) مغامرة الانتحار المحظ ومقامرة الرياض الخاسرة .. إلى أين يجر بن سلمان المملكة؟
بالوقوف على حدود الاستقراء، نقرأ المشهد، ونرسم التوقعات، ونضع المحاذير، ونُعدّد المخاطر، محاولين استشراف ملامح المستقبل وما تخبئه الأيام لمملكة راهنت على حربٍ عبثية، وأصرّت على عدوانٍ تحوّل من "نزهة عسكرية" إلى تسونامي مدمر يلتهم ما تبقى من هيبتها واقتصادها ومستقبلها.
حميد منصور القطواني
سبق وأن قلنا في تحليل سابق إن اختيار بن سلمان لمسار التصعيد سيشعل جولة من الحرب ستجعل المملكة تواجه استراتيجية ردع يمنية مختلفة، ستحوّل مدن النفط والزجاج إلى حقل رماية مشتعل، وتخنق شرايين الملاحة الجوية والبحرية للمملكة.
واليوم، وهذا ما يحدث حرفياً. فقد تعرضت معظم حقول النفط ومحطات التكرير والتخزين، وكذلك المطارات، من نجران في الجنوب إلى الدمام وينبع، ومن بقيق وخريص وتنورة شرقاً إلى ينبع غرباً، لضربات يمنية نوعية كشفت عن هشاشة المنظومة الدفاعية السعودية، وعن حجم الورطة التي أوقع بن سلمان فيها مملكته.
فخلال الأيام الماضية فقط، أعلنت القوات المسلحة اليمنية عن سلسلة عمليات نوعية استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض، ومطار الملك فهد الدولي في الدمام، ومطار أبها، ومنشآت أرامكو في جازان وينبع، ومصفاة رابغ غرب المملكة، وقاعدة خميس مشيط الجوية.
هذه الضربات لم تكن مجرد استعراض للقوة، بل ترجمة عملية لمعادلة الردع التي نجحت في فرضها القوات المسلحة اليمنية، وأثبتت أن اليمن لم يعد يكتفي بالدفاع، بل انتقل إلى الهجوم، ويملك اليوم القدرة على ضرب العمق السعودي، وتعطيل شرايينه الحيوية، وإغلاق مطاراته، وإشعال حقوله النفطية.
سقوط الأوراق وتكشُّف المصائر
سبق وأن قلنا أيضاً في تحليلات سابقة إن القفز على الحقيقة اليمنية التي فرضتها صنعاء سيورط المملكة في جولة تصعيد بمفردها، معزولة، ومتروكة لمصير مجهول، في لحظة قاتلة ظهرها مكشوف لسكاكين الابتزاز والغدر. وهذا ما حدث بالضبط. فبعد أن أعلن اليمن حصاره البحري على السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية، وضرب عمق المملكة، وجدت الرياض نفسها وحيدة في مواجهة معركة لا تملك أدوات خوضها. فما كان منها إلا أن تمد يدها إلى "حلف مكة" الذي أبرمته مع تركيا وباكستان قبل أشهر، باحثة عن من ينقذها من الغرق.
الرد المخيب والصادم
لكن الرد جاء مخيباً وصادماً: فأنقرة أعلنت بلسان وزير خارجيتها أن الاتفاق "دفاعي بحت"، وأنها "لا ترسل قوات إلى دولة أخرى لفتح هجوم"، وأن دورها يقتصر على "المساعدة في الدفاع الجوي". أما باكستان، فقد كان موقفها أكثر وضوحاً وحرجاً للرياض: فصحيفة "داون" الباكستانية، في افتتاحيتها، دعت حكومتها إلى "تجنب إرسال قوات برية إلى السعودية"، وذكّرت بأن البرلمان الباكستاني، في 2015، رفض الانخراط في الحرب على اليمن، مشيرة إلى أن "الدخول في حرب اليمن الأهلية قصة مختلفة تماماً". حتى تركيا، التي تحمست في البداية، تراجعت لاحقاً وأكدت أن "الدفاع المشترك" لا يعني "التورط المباشر". وهكذا، وجدت الرياض نفسها أمام حلفاء يرفضون الانخراط في حرب لم تبدأها، ويعون تماماً حجم الفخ الذي نُصب لهم. فتركيا وباكستان، بذكائهما، أدركتا أن الحرب على اليمن ليست "معركة دفاع مشترك"، بل مستنقع للاستنزاف، وأن الدخول فيه يعني إحراق ما تبقى من هيبتهما وقدراتهما في خدمة مقامرة خاسرة.
الموقف الأكثر تخلياً وإهانة
أما الموقف الأمريكي، فقد كان أكثر إهانة وتخلياً مما تصور أي عاقل. فقد هرعت الرياض إلى واشنطن، بكل ما تملك من علاقات ونفوذ واستثمارات، لعلها تجد من يمسك بيدها في لحظة الغرق. لكن دونالد ترامب، حليفها الأول الذي طالما راهنت عليه، رفض طلبها، واكتفى بوصف الضربات اليمنية على مطار الرياض بأنها "أمر سيئ"، دون أن يقدم التزاماً عملياً واحداً أو يعلن إجراءات لحماية حليفه الخليجي. بل إن تقارير صحفية كشفت أن ترامب رفض، مرتين، طلب ولي العهد السعودي بشن ضربات على الحوثيين، مكتفياً بالقول إن واشنطن "تعتزم الوفاء بالتزاماتها"، دون أن يفعل شيئاً. ووصف السفير الأمريكي السابق لدى السعودية، مايكل راتني، الموقف بقوله: "يشعر السعوديون بالإحباط الشديد حالياً، ويمكن القول إن هذا أسوأ سيناريو محتمل بالنسبة لهم". وأضاف دان شابيرو، المسؤول السابق في البنتاغون: "ليس من المستغرب أن ترامب لا يريد فتح جبهة جديدة، لكن هذا الأمر بالنسبة للسعوديين مخيب جداً للآمال". وقد كانت الرسالة الأمريكية واضحة، وإن كانت مهينة: أمريكا لا تخوض حروباً بالوكالة على حساب مصالحها، ولا تفتح جبهات جديدة من أجل حلفاء يريدون إنقاذهم من أخطائهم. وإذا كانت الرياض قد دفعت لواشنطن مليارات الدولارات لشراء "الحماية"، فإن هذه الحماية قد تبخرت في أول اختبار حقيقي، ليكتشف بن سلمان أن ما اشتراه كان سراباً، وأن ما حصدته مملكته هو خذلان وخيانة من الحليف الذي راهنت عليه لعقود.
وبينما كان بن سلمان يظن أن الحرب على اليمن ستكون جواز تتويجه، وجد نفسه أسيراً لمقامرة خاسرة، لا يملك قرار إنهائها، ولا يجرؤ على الاعتراف بها، ولا يجد من ينقذه من الرأس الذي أصبح مطلوباً للجميع، والظهر المكشوف لسكاكين الغدر والابتزاز من كل اتجاه. وما كنّا نُحذر منه بالأمس، صار اليوم واقعاً يُعاش، وصار ما كنا نخشى منه مصيراً يتكشّف ساعة بساعة.
حين يصبح السلام خياراً والانتحار إصراراً
في منطق الاستراتيجية الصرف، لا تستمر الحروب إلا لسببين: إما لتحقيق نصر ممكن، أو لتجنب هزيمة كارثية. أما أن تستمر حرب بعد أن ثبت استحالة النصر، وبعد أن أصبحت الهزيمة واقعاً ماثلاً، فهذا ليس استراتيجية، بل انتحار محظ. وهذا هو بالضبط ما يفعله بن سلمان اليوم: يواصل حرباً على اليمن انتهت قبل ثلاثة أعوام، عندما تحولت حسابات الجدوى إلى مخاطر كارثية، وتحولت رهانات الربح باخضاع اليمن للرؤية الأمريكية والسعودية إلى حقائق واقع يهدد بفقدان النظام السعودي عرشه في بلاد الحجاز ونجد.
في تلك اللحظة، قبل ثلاثة أعوام، كانت صنعاء قد وقفت على قدميها فوق أعناق مدن النفط والزجاج، التي شاهدها العالم تحترق بمباركة حلفائها الأقارب والأباعد. وفي تلك اللحظة بالذات، مدت صنعاء يد السلام، وبادرت بترفع عن فاتورة جرائم العدوان السعودي الثقيلة، والجراح الغائرة في الجسد اليمني المثخن بسكاكين خبث وغدر وحقد المملكة. مدت يدها لتفتح مخرجاً لسلامة رأس المملكة، وسلاماً بين الرياض وصنعاء بمنطق منصف وناضج، وسقف متواضع لوقف نزيف اليمن والمملكة معاً، ومنح الأخيرة فرصة للانعتاق من دور الوكيل الخادم للأجندة الأمريكية التي ورطتها في مستنقع مميت وتركتها لمصيرها.
وكل ما طلبته صنعاء من حكام المملكة هو الاعتراف بوجود اليمن كشعب مستقل، وصاحب الإرادة والشرعية والمصير على جغرافيا الحق اليمني، ووقف العبث والنهج العدواني كمقتضيات احترام مبدأ وحقوق الجوار، ناهيك عن مقتضيات مصداقية الانتماء للعروبة والإسلام. وتم إقرار تسوية وخارطة طريق للسلام المنصف والواقعي بين صنعاء والرياض.
لكن بن سلمان قابل كل ذلك بالمماطلة، وراهن على التذاكي والتحاذق والمرواغة للهروب من استحقاق تنفيذ هذه التسوية، أو إعلان موقف صريح بعدم تنفيذها. وبالتوازي مع تلك المماطلة، واصل عدوانه على شعبنا عبر حرب صامتة على كل الصعد، بتوسيع الجروح في جسد شعبنا، وتوطين الأطماع، وسحق عظام المجتمعات في المناطق المحتلة بجولة تناحر تفريخات التحالف المسعورة، وبالتوازي مع تغذية نار الفتن والأحقاد، وتصعيد المعاناة بالحصار والحروب الاقتصادية والأمنية.
مخطط الأطماع الصهيوني
ومن ذلك تظهر نوايا حكام المملكة، أو أقلها بن سلمان، أنهم لم يريدوا من تلك الهدنة تنفيذ التسوية، ولم يكن لديهم أي جدية أو رغبة بالسلام مع اليمن، بل كانوا يريدون وقف حرائق مدن النفط والزجاج، وإبقاء اليمن في وضع الموت البطيء والتفحم على نار هادئة، وترحيل المعركة الحاسمة إلى أن يكتمل تشكيل حلف قرابين يهوذا المعروف، الناتو الصهيوني، لخوض حروب إسرائيل وأمريكا، والتي ليست فيها السعودية إلا أداة، في سياق مواجهة إقليمية شاملة تستهدف قوى وشعوب ودول أمتنا، وتنفيذ مخطط الأطماع من غزة إلى لبنان واليمن وإيران.
هذا المخطط الصهيوني، الذي ظل بن سلمان يراهن عليه في المماطلة والهروب من استحقاق السلام أو الحرب الصريحة مع صنعاء، سحقه طوفان السابع من أكتوبر من غزة، ومزق أوصال حلف الناتو الصهيوني، وأحرق أوراق سيناريوهات ساعة الصفر الشاملة بشرعية إقليمية وغربية. ولذلك اضطر لمواجهة كل ساحة بمفردها، واليوم بن سلمان يواجه هذا الاستحقاق المصيري منفرداً: إما بعقد سلام كامل مع اليمن، أو خوض المعركة المؤجلة بمفرده، في ظل انقلاب المعادلات والأثقال الاستراتيجية للحرب لصالح صنعاء.
والحقيقة الثابتة أن حرب بن سلمان على اليمن، التي أراد من خلالها تحقيق نصر يكون شرعية للتتويج، ويحافظ على موقع المملكة كوكيل للأجندة الأمريكية والغربية في المنطقة، كانت مؤسسات الحكم تستثمر فيها كون مدن النفط والزجاج وشرايين نظام الحكم بعيدة عن دائرة الحرب. واليوم، دخلت مملكة النفط والزجاج في قلب دائرة النار، وأصبح قرار بن سلمان بالتصعيد والغرق في العدوان على اليمن انتحاراً محظاً وحرباً شخصية ضد السعودية واليمن. وحرب بن سلمان الظالمة على اليمن هي من كشفت ظهر المملكة، وحولت اليمن إلى مستنقع وتهديد يبتلع المملكة، ووضعت عنقها تحت سكاكين طابور طويل من المتربصين، وخاصة من راهنت على حمايته لعقود، والذي لم يكن يعد يرى في السعودية إلا بقرة حلوب، وحاجته اليوم إليها تجاوزت الحلب إلى الذبح، قرباناً لأطماع خرافة إسرائيل الكبرى التي تضع رأس المملكة على رأس القائمة بعد انتهاء خدماتها.
مقامرة خاسرة وانتحار محظ
السؤال المصيري هو : إلى أين يريد بن سلمان المأزوم والعاجز عن التتويج أن يجر المملكة التي استنزفها بمشاريع وهمية وأحلام يقظة؟ وورطها في حرب فاشلة وعبثية على اليمن تحولت إلى تسونامي مدمر للمملكة؟
ولماذا يصر على مقامرة خاسرة وانتحار محظ، في لحظة قاتلة لرأس الرياض المطلوب للجميع، وظهرها مكشوف لسكاكين الغدر والابتزاز من كل اتجاه؟ ولماذا لا يستطيع بن سلمان التوقف؟
قبل أن نغوص في السيناريوهات، لا بد من فهم العقل الذي يقود المملكة نحو الهاوية. فبن سلمان ليس مجرد حاكم يخطئ، بل هو رجل مأزوم، تحكمه أربعة قيود تجعله غير قادر على التوقف، حتى لو رأى بعينه أن الطريق مسدود:
- عقدة التتويج: لم يصل إلى الحكم عبر طريق طبيعي، ويبحث عن "إنجاز" يبرر وجوده. الحرب على اليمن كانت مشروعه، وفشلها يعني فشل مشروعه بالكامل.
- الخوف من الحساب: يعلم أن التوقف يعني مواجهة ملفات الفساد، وجرائم الحرب، وقضية خاشقجي. الاعتراف بالهزيمة يعني فتح أبواب المحاسبة.
- الرهان على "المخرج المعجزة": ينتظر تدخلاً أمريكياً أو صهيونياً ينقذه، لكن هذا التدخل لن يأتي، أو سيأتي بثمن يفوق كل خسائره السابقة.
- فقدان البوصلة: لم يعد يملك خطة، بل يتحرك بردود فعل، ويأمل أن "شيئاً ما" سيحدث.
وهذا يقودنا إلى المثلث المشؤوم: ترامب، بن سلمان، نتنياهو. ثلاثة رؤوس مأزومة، كل واحد منهم غارق في حرب فاشلة لا يستطيع إنهاءها دون الاعتراف بالهزيمة، ومتهم بجرائم وصلت إلى المحاكم الدولية، ورأسه مطلوب من خصوم الداخل والخارج، ومستقبله السياسي على شفير الهاوية. وكلهم مستعدون لجر المنطقة والعالم إلى حرب شاملة، لأنهم لا يملكون ما يخسرونه، أو هكذا يظنون.
ولا سبيل للخروج من هذا النفق المظلم إلا بإسقاط أضلاع هذا المثلث. لأن هؤلاء الثلاثة، في مأزقهم الشخصي، يشكلون التهديد الأكبر للسلام العالمي. وهم لا يتحركون وفق حسابات استراتيجية، بل وفق قيود الابتزاز الشخصي، ومخاوف الحساب، وعقد التتويج، والرغبة في البقاء بأي ثمن. وعندما يسقط هؤلاء، يمكن نقل الصراعات إلى مرحلة السياقات المحسوبة بالحقائق والتوازنات والحسابات الواقعية، بعيداً عن قيود الابتزاز الشخصي، وعن غرف الظلام التي تُتخذ فيها القرارات المصيرية.
المملكة وسيناريوهات مواصلة الحرب
أمام المملكة، إذا ما استمرت في مقامرتها، ثلاثة سيناريوهات، كلها تقود إلى الهاوية، وكلها تجعل من الرياض مختبراً لانفجار قادم، لا يملك أحد مفاتيحه، ولا يعرف أحد توقيته:
السيناريو الأول: الغرق بمفردها في وضع اختناق مقفل
هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، والأسرع في الوصول إلى نهايته. فالمملكة، التي كانت تستثمر في كون مدن النفط والزجاج بعيدة عن دائرة الحرب، وجدت نفسها فجأة في قلب النار. حقول النفط تحترق، والمطارات تُضرب، والموانئ تُغلق، وشرايين الملاحة الجوية والبحرية تُخنق. وبن سلمان، الذي راهن على أن الحرب ستكون "نزهة عسكرية"، أصبح أسيراً لمقامرة خاسرة، لا يملك قرار إنهائها، ولا يجرؤ على الاعتراف بها.
ولن يطول الأمر كثيراً حتى تنفجر أزمات النظام السعودي وتصدعه، وتظهر الانقسامات، وينفجر الوضع الداخلي برمته. فالنظام السعودي اليوم يعيش مخاضاً صامتاً، على صفيح ساخن قد ينفجر بدون أي مقدمات. الضغط الاقتصادي يتراكم، والغضب الشعبي يغلي في صمت، وطوابير المتربصين من الداخل تطول. وكل يوم استمرار في الحرب يعني مزيداً من الوقود على النار، حتى تأتي اللحظة التي لا يستطيع فيها النظام تحمل المزيد.
السيناريو الثاني: توريط تركيا وباكستان
هذا هو السيناريو الذي يحاول بن سلمان تحقيقه، عبر "حلف مكة" الذي أبرمه مع أنقرة وإسلام آباد. لكنه سيناريو صعب في المدى المنظور، بل ومحفوف بمخاطر لا يحسبها بن سلمان.
فتركيا، التي ترى في طموح العثمانية فرصة كبيرة، قد تجد في أضعاف النظام السعودي مصلحة استراتيجية، طالما أن أبواب المملكة مفتوحة لتوطين نفوذ وموطئ قدم للعثمانية. وباكستان، التي تحافظ على اتزانها ورصانة مواقفها، تدرك جيداً أن الدخول في هذه الحرب يعني الغرق في مستنقع استنزاف، وهو ما يريده لها المتربصون.
وفي هذا السيناريو، ستنفجر المنطقة برمتها، والمستفيد الوحيد سيكون العدو الصهيوني وحلفاؤه: الهندي المتربص برأس باكستان، واليوناني المتربص برأس تركيا، وأوروبا المعادية التي تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض. فتوريط تركيا وباكستان يعني إحراق ما تبقى من قوى إقليمية قادرة على مواجهة المشروع الصهيوني، وتفتيت المنطقة إلى كيانات متناحرة، وهو بالضبط ما يريده المهندس الصهيوني.
السيناريو الثالث: ارتماء بن سلمان في حضن الكيان الصهيوني
هذا هو السيناريو الكارثي بكل ما تحمله الكلمة. إذا ارتمى بن سلمان في حضن الكيان الصهيوني، ومعه الأمريكي، في حرب إقليمية شاملة، فإن ذلك يعني انقلاباً وانعطافة غادرة بحلف مكة، وسحب البساط من تحت أقدام أنقرة وإسلام آباد، وفتح الباب أمام اصطفافات حرب تشعل المنطقة، وتفجر حقل الألغام في الساحة الدولية، وتقود إلى مواجهة كبرى لا يعرف أحد نهايتها.
وليس الأمر قراءة سطحية. فانتصار محور أمريكا في هذه المواجهة يعني خروج الصين من المنطقة، وتجييش موارد وقدرات ومعسكرات المنطقة، وبالذات أدوات الفوضى والداعشية، ضد الصين لصالح أمريكا. أو على الأقل، إخضاع الصين لقواعد تفرد الزعامة الصهيونية على المنطقة، وتغيير خارطة النفوذ العالمي لصالح واشنطن وتل أبيب. وهذا يعني أن حرب المنطقة ليست حرباً إقليمية فقط، بل هي حرب على مستقبل النظام العالمي بأسره، وعلى مكانة الصين كقوة صاعدة.
مخاض صامت على صفيح ساخن
كل ما سبق يقودنا إلى حقيقة واحدة: النظام السعودي يعيش مخاضاً صامتاً، على صفيح ساخن قد ينفجر بدون أي مقدمات. فبن سلمان، الذي بدأ حربه ليؤمّن تتويجه، وجد نفسه أسيراً لحرب لم يعد يملك قرارها. وكل يوم استمرار يعني مزيداً من الضغط على النظام، ومزيداً من الغضب في الشارع، ومزيداً من التربص من الداخل والخارج.
والانفجار، إذا حدث، لن يكون انفجاراً سياسياً فقط، بل سيكون انفجاراً وجودياً. لأن النظام السعودي، بكل هياكله، سيصبح على المحك. وقد لا يكون الانفجار عنيفاً في لحظته، لكنه سيكون مدوياً في نتائجه. وقد لا يكون انفجاراً واحداً، بل سلسلة من الانفجارات المتتالية، التي تبدأ بالاقتصاد، ثم السياسة، ثم الشرعية، ثم الوجود نفسه.
والمخاض الصامت لا يعني أن الانفجار بعيد، بل يعني أن الاحتمالات كلها مفتوحة. فقد ينفجر غداً، وقد ينفجر بعد سنة، لكنه سينفجر. لأن الصفيح الساخن لا يمكن أن يظل ساخناً إلى الأبد دون أن يشتعل.
لعنة نتنياهو وسقوط أذرع الصهيونية
لم يعد ظل الصهيونية العالمية مخفياً، بل أصبح مكشوفاً على نحو لم يحدث منذ عقود. فلعنة نتنياهو، التي ظن البعض أنها ستظل حبيسة تل أبيب، بدأت تجد طريقها إلى صناديق الاقتراع في عواصم الغرب. خسرت أذرع الصهيونية الانتخابات في صربيا والبرازيل، وقبلها هنغاريا، وهذا ما ينتظر الترمبية الأمريكية، وفق المزاج العام الأمريكي المحتقن، الذي كشفت له الأجندة الترمبية حجم الخديعة الكبرى التي تعرض لها الشعب الأمريكي. رُفعت شعارات "أمريكا أولاً"، لكن الحقيقة التي انكشفت هي أن "إسرائيل أولاً"، وأن الشعب الأمريكي، وأمريكا، وجيشها، ليسوا سوى صفقة قرابين في طقوس خرافة إسرائيل الكبرى.
انكشاف الظل وتداعيات الفشل والهزيمة
غداً، يتجه نتنياهو إلى الانتخابات. وتداعيات الفشل والهزيمة، وجرائم الإبادة، والانكشاف الذي قوض أذرع الصهيونية الغربية، وتبعاتها الكارثية، حاصرت الكيان الصهيوني المفخخ بأزمات دمار ذاتي وانقسامات حادة. والمجرم نتنياهو، المأزوم والمنبوذ، الذي اكتمل تطويق الحبال حول رقبته، في زاوية الاختناق والانسحاق من الداخل والخارج، يواجه موجة عد عكسي متسارعة نحو الاندثار والسقوط الجماعي.
وطريق الخروج من هذا الاحتباس الخانق، الذي يهدد بسقوط جماعي كارثي للكيان، وإحراق المنطقة والعالم، لا يقبل القسمة على اثنين: بين مجرم الحرب نتنياهو، المطلوب دولياً، وبين كيانه النازي المتصدع، الغارق في رمال متحركة من النكسات والجرائم والهزائم والانكشاف من كل اتجاه. غير أن إسقاط المجرم نتنياهو يعني إخراجه، ويُترك الكيان لمصيره في مواجهة أزماته الذاتية الوجودية، ومنع انزلاق الأحداث، بدوافع الأزمة الشخصية لنتنياهو، إلى إشعال نار حرب ميؤوس منها، لن تقود إلا إلى إحراق الكيان ومجتمعه، وإشعال فتيل الحروب في المنطقة والعالم، التي تهدد المجتمع البشري بأسره، وتجر الجميع، بما فيهم الغرب، نظماً وشعوباً، وقوداً وقرابين لصفقات ابتزاز لا يريدها ولا تخدم أحداً.
اجتماع طهران الرباعي ومفترق الطرق
قطعاً، إن كان الهدف من الاجتماع الرباعي في طهران هو التعاون في تشكيل نظام أمني إقليمي، وآلية تنسيق وحوار موثوقة وسيادية، لحل الأزمات والصراعات البينية، وخلق تفاهم لمواجهة التهديدات الجماعية، وحل القضايا المركزية للأمة، فهذه نقطة النهاية للوجود الأمريكي، ونقطة انكسار الحروب والأطماع الصهيونية التي تشكل تهديداً وجودياً يتربص بالجميع.
وسيكتب لهذا الاجتماع النجاح لعدة أسباب أهمها: انكسار الهجمة الصهيوأمريكية، وانهيار أدواتها ورهاناتها، وسقوط حسابات الارتباط بها، في لحظة تحول إقليمي ودولي مثالية، تمنح القوى الإقليمية العربية والإسلامية متنفس استقلالية لتقرير المصير.
غير أن الثغرة الأخطر التي تهدد بإفشال هذا الاجتماع، وإفراغه من مضمونه، وإعادة الكرة إلى مربع الرهان على الحروب والصراعات العبثية، وإغلاق كل سبل الحلول، لمنح قبلة حياة للحرب الصهيوأمريكية وتهديدها الوجودي الجماعي، في الدقائق الأخيرة من احتضار أنفاسها الوجودية، هي جدية بن سلمان المأزوم، الذي يعيش نفس ظروف الابتزاز وأزمة السقوط السياسي، كاستحقاق لسجله السياسي الفاشل والمتهور والإجرامي، الذي استنزف المملكة في مشاريع وهمية، وحلب الأموال لصالح ترامب، ودعم أذرع نتنياهو من طباخي الحروب والمؤامرات في البيت الأبيض، التي انعكست وبالاً على المملكة، وانكشفت الأحداث على رهانات وتحالفات خاسرة. وليس آخرها الهزيمة والغرق في حربه العبثية على اليمن، التي تحولت إلى طوفان مدمر للمملكة. وهذا ما يدفعه للهروب نحو التصعيد، والغرق أكثر وأكثر، ومماطلة تنفيذ التزامات السلام والتسويات، رغم انفتاح كل السبل الواقعية والمتوازنة أمام المملكة.
ولذلك، يجد بن سلمان نفسه محاصراً على نفس حافة السقوط التي تحاصر المجرم نتنياهو والمجرم ترامب. لذلك، لم يعد الأمر مرهوناً بجدية وسلامة نوايا محمد بن سلمان، فطالما بقيت القرارات المصيرية والنفوذ المباشر بيده، ولم يتم إبعاده أو حمايته من الداخل من عبثه والتفافاته الغادرة، تبقى احتمالية كبيرة للقيام بدور متخادم مع المهندس الصهيوأمريكي، لإفشال وإحباط أي تحركات عربية وإسلامية لإنجاز استحقاقات السلام والتحولات الكبرى بين القوى الكبرى العربية والإسلامية، ومنها حلف مكة وإيران ومصر، لصياغة مخارج وحلول للصراعات والتصدعات والأزمات، وضمان مستقبل استقرار وازدهار ونجاة منطقتنا العربية والإسلامية.
وهذا يتطلب من اللاعبين الكبار، من دول حلف مكة ومصر وإيران، وضع هذا الخطر والمعضلة والتهديد والثغرة بعين الاعتبار، ووضعها تحت المجهر في حجر سياسي من الداخل.
ويبقى السؤال الجوهري .. هل ستنجح القوى الإقليمية الكبرى في إغلاق هذه الثغرة، قبل أن يتحول بن سلمان المأزوم إلى قنبلة موقوتة تُفجّر كل فرص السلام في المنطقة والعالم؟