من إدارة التصعيد إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية: (الحرب الأمريكية – الإيرانية) تساؤلات جوهرية ؟!!

الدكتورة/ نجوى حسين الخزان*

 

تشهد المنطقة العربية والإقليمية مرحلة دقيقة تتسم بتسارع التحولات السياسية والأمنية، في ظل استمرار المواجهة العسكرية والتفاعلات بين واشنطن وطهران ، وما يرتبط بها من تداعيات على الخليج والمنطقة، واستقرار أسواق الطاقة، وسلامة الممرات البحرية الدولية، ولا سيما مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب .. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت المنطقة مقبلة على مرحلة تهدئة استراتيجية، أم على إعادة إنتاج دائرة التوتر بأشكال جديدة، خاصة في ظل المتغيرات الميدانية والسياسية المتسارعة .. تفاصيل في السياق التالي:

من إدارة التصعيد إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية: (الحرب الأمريكية – الإيرانية) تساؤلات جوهرية ؟!!

تكشف التطورات الأخيرة أن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة في إدارة الأزمات، إذ تتزامن رسائل القوة مع استمرار الاتصالات السياسية، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لدى مختلف الأطراف بأن أي مواجهة واسعة ستكون ذات كلفة مرتفعة على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي. ومن ثم، أصبح الحفاظ على التوازن بين الردع ومنع الانزلاق إلى صراع مفتوح أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة.

وفي هذا السياق، تكتسب منطقة الخليج والبحر الأحمر أهمية استثنائية، ليس فقط لكونها مركزًا رئيسيًا لإنتاج ونقل الطاقة، وإنما أيضًا باعتبارها نقطة ارتكاز في حركة التجارة الدولية. كما يبرز اليمن، بحكم موقعه الجغرافي المشرف على مضيق باب المندب، باعتباره عنصرًا مؤثرًا في معادلات الأمن البحري، الأمر الذي يجعل أي تطور في البيئة الإقليمية ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على موقعه ودوره في التوازنات الجيوسياسية.

ومن هذا المنطلق، فإن قراءة التحولات الراهنة من منظور استراتيجي تفرض الكثير من التساؤلات المتعلقة بتحليل طبيعة التفاعلات الأمريكية–الإيرانية، واستعراض أدوار دول مجلس التعاون الخليجي، وبيان انعكاسات هذه المتغيرات على اليمن، وصولًا إلى استشراف السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة، في ضوء الوقائع المعلنة وموازين القوى الإقليمية والدولية.

 إدارة الصراع بدلًا من حسمه

أظهرت التطورات الأخيرة أن المقاربة الأمريكية تجاه إيران لم تعد تقوم على خيار المواجهة المباشرة وحده، بل أصبحت تميل بصورة متزايدة إلى إدارة الصراع من خلال مزيج من أدوات الردع والضغوط السياسية والاقتصادية، مع الإبقاء على قنوات الاتصال الدبلوماسي مفتوحة متى ما توافرت الظروف المناسبة. ويعكس هذا التوجه إدراكًا بأن البيئة الإقليمية الحالية أكثر تعقيدًا من أن تُدار بأداة واحدة، وأن أي قرار يتعلق باستخدام القوة يخضع لحسابات تتجاوز البعد العسكري لتشمل الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة واستقرار الممرات البحرية.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم التصريحات المتبادلة خلال الفترة الأخيرة، سواء المتعلقة بإمكانية استئناف الحوار أو استمرار الضغوط، باعتبارها جزءًا من عملية إدارة الأزمة أكثر من كونها مؤشرًا على اقتراب الحسم. فالتفاوض والردع لم يعودا خيارين متعارضين، بل أصبحا أداتين متكاملتين ضمن استراتيجية تهدف إلى المحافظة على المصالح الاستراتيجية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواء نتائجها.

كما أن طبيعة النظام الدولي الراهن، الذي يشهد تشابكًا اقتصاديًا واسعًا، جعلت أي أزمة في الخليج تنعكس بسرعة على الأسواق العالمية، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي بالحفاظ على استقرار المنطقة، وحرية الملاحة، وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة دون اضطرابات واسعة.

 الردع والحفاظ على هامش الحركة السياسية

في المقابل، تواصل إيران إدارة سياساتها الإقليمية وفق رؤية تستند إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، والمحافظة على هامش من الحركة السياسية والدبلوماسية، بما يحقق حماية مصالحها الوطنية في ظل بيئة إقليمية تتسم بالتقلب المستمر. ويتبين من مجمل المواقف المعلنة أن طهران تسعى إلى الجمع بين التمسك بمواقفها الأساسية، والإبقاء على إمكانية الاستفادة من أي مسار سياسي يساهم في تخفيف التوترات، دون التخلي عن عناصر الردع التي تراها ضرورية لأمنها القومي.

ومن منظور استراتيجي، فإن مفهوم الردع في الحالة الإيرانية لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى القدرة على التأثير في حسابات الأطراف الأخرى، وإبراز أن أي تصعيد ستكون له تداعيات تتجاوز حدود المواجهة المباشرة، وهو ما يجعل إدارة الأزمة عملية معقدة تتداخل فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية والسياسية.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن إيران تنظر إلى موقعها الجغرافي، وإلى أهمية منطقة الخليج ومضيق هرمز، باعتبارهما عنصرين مؤثرين في معادلة التوازن الإقليمي، وهو ما يفسر استمرارها في التأكيد على أهمية الحلول السياسية القائمة على الاحترام المتبادل، بالتوازي مع تمسكها بحقها في حماية مصالحها وأمنها الوطني.

الخليج بين احتواء التصعيد وحماية المصالح الاستراتيجية

تمثل دول مجلس التعاون الخليجي أحد أبرز الأطراف المتأثرة بالتطورات الإقليمية، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي، وإنما أيضًا بسبب ارتباط اقتصاداتها المباشر بأسواق الطاقة العالمية، واعتمادها على استقرار الممرات البحرية التي تشكل شريانًا رئيسيًا لحركة التجارة الدولية. ومن هذا المنطلق، تنظر دول المجلس إلى أي تصعيد في المنطقة باعتباره تحديًا يتجاوز البعد العسكري، ليشمل الأمن الاقتصادي والاستقرار الإقليمي.

وخلال المرحلة الأخيرة، برزت تحركات دبلوماسية خليجية هدفت إلى دعم مسارات التهدئة، وتعزيز الاتصالات مع مختلف الأطراف، بما يعكس توجهًا نحو تغليب الحلول السياسية، والحد من احتمالات توسع الصراع. ولا يعني ذلك غياب الاهتمام بالجانب الأمني، بل يعكس إدراكًا بأن تحقيق الأمن المستدام يتطلب الجمع بين بناء القدرات الدفاعية، والحفاظ على قنوات الحوار، وتفعيل آليات التعاون الإقليمي.

كما أن التحولات الاقتصادية التي تشهدها دول الخليج، ضمن رؤى التنمية الوطنية، جعلت من الاستقرار الإقليمي ضرورة استراتيجية، إذ إن استمرار بيئة آمنة يشكل عاملًا أساسيًا في جذب الاستثمارات، وتنفيذ المشاريع الكبرى، وتعزيز التنوع الاقتصادي. ومن ثم، فإن الحفاظ على أمن الخليج لم يعد مرتبطًا فقط بالاعتبارات العسكرية، بل أصبح جزءًا من رؤية أشمل تتعلق بالتنمية والاستقرار طويل المدى.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن دول الخليج لم تعد مجرد متفرج أو ركيزة دفاعية في المعادلة الإقليمية، بل تحولت إلى لاعب وسيط وفاعل يسعى لبناء توازنات جديدة تخدم مشاريعها التنموية الكبرى، وتدعم استقرار المنطقة عبر تقارب إقليمي متزايد. وفي ضوء ذلك، تبدو دول مجلس التعاون حريصة على تجنب أي مسار قد يؤدي إلى مواجهة واسعة، مع استمرارها في دعم الجهود التي تسهم في حماية أمن الملاحة، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، وتعزيز التعاون الإقليمي بما يخدم مصالح شعوب المنطقة.

الموقع الجيوسيادي اليمني ودوره المحوري 

يحتل اليمن موقعًا استراتيجيًا فريدًا، يجعله أحد أهم الفاعلين الجغرافيين في معادلة الأمن البحري الإقليمي، نظرًا لإشرافه على مضيق باب المندب، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وقد منح هذا الموقع اليمن أهمية تتجاوز حدوده الوطنية، ليصبح عنصرًا مؤثرًا في حسابات الأمن الإقليمي والدولي، خاصة في ظل تزايد الاهتمام العالمي بأمن سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

وتؤكد التطورات الراهنة أن البحر الأحمر وباب المندب أصبحا جزءًا لا يتجزأ من معادلات الأمن الإقليمي، وأن أي تطورات في هذين الممرين تنعكس بصورة مباشرة على حركة التجارة العالمية، وأسواق الطاقة، وتكاليف النقل البحري. كما أن الموقع الجغرافي لليمن يمنحه دورًا محوريًا في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بأمن الملاحة في المنطقة.

ولا يقتصر دور اليمن على الجانب الجغرافي والتهديدي، بل يمتد إلى كونه عنصر جذب للقوى الدولية الراغبة في تأمين مصالحها البحرية، مما يضعه في قلب التنافس الدولي. ومن هنا، فإن الحديث عن أمن البحر الأحمر دون الأخذ بعين الاعتبار السيادة اليمنية واستقرار اليمن يُعد حديثًا ناقصًا، بل إن أي ترتيبات أمنية مستقبلية في المنطقة ينبغي أن تراعي المصالح الوطنية اليمنية، وأن تضع اليمن كشريك أساسي في معادلة الأمن البحري، لا كمجرد ساحة للأحداث أو مسرح للتنافسات.

ومن منظور استراتيجي، فإن التحولات الجارية تبرز أهمية التعامل مع اليمن باعتباره جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي، وليس مجرد ساحة للأحداث. فالموقع الجغرافي، والارتباط المباشر بباب المندب، يجعلان من استقرار اليمن عاملًا مؤثرًا في استقرار البحر الأحمر والخليج، وفي قدرة المنطقة على الحفاظ على أمن الممرات البحرية الحيوية.

ولا يقتصر هذا الدور على الجانب الأمني، بل يمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والسياسية، حيث أصبح أمن البحر الأحمر جزءًا من الأمن الاقتصادي العالمي، الأمر الذي يعزز أهمية اليمن في الحسابات الإقليمية والدولية، ويفرض مقاربة شاملة تراعي المصالح المشتركة، وتعزز فرص الاستقرار، وتؤكد على ضرورة احترام السيادة الوطنية للجمهورية اليمنية كأساس لأي ترتيبات أمنية في البحر الأحمر وباب المندب.

 فرص التهدئة واحتمالات استمرار التوتر

في ضوء المعطيات الراهنة، تبدو المنطقة أمام مسارات متعددة، يرتبط تحديد اتجاهها بقدرة الأطراف المختلفة على إدارة التفاعلات القائمة، ومدى نجاح الجهود السياسية والدبلوماسية في منع انتقال الخلافات إلى مستوى أوسع من التصعيد.

السيناريو الأول: استمرار إدارة الصراع ضمن حدود محسوبة (السيناريو الأكثر ترجيحاً).

يتمثل هذا السيناريو في استمرار حالة الضغط المتبادل، مع تجنب الوصول إلى مواجهة شاملة، بحيث تحافظ الأطراف المختلفة على أدوات التأثير والردع، مع إبقاء مساحة للحوار والاتصالات السياسية. ويستند هذا المسار إلى إدراك متزايد بأن تكلفة أي مواجهة واسعة ستكون كبيرة على المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية. وفي حال استمرار هذا السيناريو، فإن المنطقة قد تشهد مرحلة طويلة من التنافس وإدارة الأزمات، دون الوصول إلى تسوية نهائية.

السيناريو الثاني: تعزيز المسار الدبلوماسي وبناء تفاهمات مرحلية

يقوم هذا السيناريو على إمكانية التوصل إلى تفاهمات محددة حول بعض الملفات الخلافية، بما يساهم في تخفيف حدة التوتر، وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا. ولا يعني ذلك بالضرورة إنهاء جميع الخلافات، لكنه قد يفتح المجال أمام ترتيبات مرحلية تساعد على إدارة الملفات الأكثر حساسية. ويعتمد نجاح هذا المسار على توفر إرادة سياسية لدى مختلف الأطراف، وعلى قدرة الوسطاء الإقليميين والدوليين على تقريب وجهات النظر، وإيجاد نقاط التقاء تحفظ المصالح الأساسية لجميع الأطراف.

السيناريو الثالث: عودة التصعيد وتوسّع دائرة التوتر

يبقى احتمال التصعيد قائمًا، خاصة في حال حدوث تطورات ميدانية أو سياسية تؤدي إلى تراجع فرص الحوار، كوقوع حادثة أمنية كبرى في الخليج تسبب بخسائر بشرية فادحة، أو في حال وصلت المفاوضات غير المباشرة إلى طريق مسدود تام، أو في حال تعرضت منشآت إيرانية حساسة لضربة موجعة. وقد تكون تداعيات هذا المسار واسعة، نظرًا لحساسية منطقة الخليج والبحر الأحمر، وارتباطهما المباشر بحركة التجارة والطاقة العالمية. ولهذا فإن منع هذا السيناريو يمثل مصلحة مشتركة لمختلف الأطراف الإقليمية والدولية، لأن أي اضطراب واسع في المنطقة ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود الدول المعنية، وستكون اليمن من أولى الدول المتأثرة بتداعياته الأمنية والاقتصادية.

الخاتمة والخلاصة 

تكشف التطورات المرتبطة بالعلاقات الأمريكية–الإيرانية أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل في طبيعة إدارة الصراعات، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها العامل المحدد لمسار الأحداث، بل أصبحت القدرة على إدارة التوازنات، وتوظيف الأدوات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، عناصر أساسية في صياغة مستقبل الإقليم.

كما تؤكد المرحلة الراهنة أن أمن الخليج والبحر الأحمر أصبحا جزءًا من منظومة مترابطة، وأن استقرار أحدهما يرتبط بصورة مباشرة باستقرار الآخر. فالممرات البحرية الحيوية لم تعد مجرد طرق للنقل، بل أصبحت عناصر استراتيجية تؤثر في الاقتصاد العالمي وفي حسابات القوى الإقليمية والدولية.

وفي هذا الإطار، يبرز اليمن باعتباره أحد المكونات المهمة في معادلة الأمن الإقليمي، بحكم موقعه الجغرافي وأهميته في منظومة الملاحة البحرية. ومن ثم فإن أي رؤية مستقبلية للاستقرار في المنطقة تحتاج إلى التعامل مع القضايا الإقليمية بمنظور شامل، يوازن بين المصالح المختلفة، ويدعم مسارات الحوار، ويعزز الأمن الجماعي، ويضع في أولوياته احترام سيادة اليمن واستقراره كركيزة أساسية لأمن البحر الأحمر.

في المحصلة، لم تعد المنطقة في سباق نحو الحرب أو السلام فقط، بل هي في سباق نحو إعادة تعريف قواعد اللعبة ذاتها، وإعادة صياغة التوازنات الإقليمية وفق معطيات جديدة. وإن المرحلة المقبلة ستظل مفتوحة على احتمالات متعددة، إلا أن الاتجاه الأكثر تأثيرًا سيكون مرتبطًا بقدرة الأطراف على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى بناء ترتيبات أكثر استدامة، تقوم على فهم متبادل للمصالح، وتجنب الخيارات التي قد تقود إلى عدم الاستقرار.

ففي عالم تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية، لم تعد قوة الدول تقاس فقط بامتلاك أدوات الضغط، بل بقدرتها على إدارة تلك الأدوات بحكمة، وتحويل التحديات إلى فرص لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الإقليمي، مع الحفاظ على الحقوق السيادية للدول، وعلى رأسها الجمهورية اليمنية التي تمثل بوابة البحر الأحمر ومفتاح أمنه.

 

* دكتوراه اقتصاد وعلوم سياسية


طباعة