من باب المندب إلى أم الرشراش: كيف أعادت "عواصف اليمن الصاروخية" رسم قواعد اللعبة؟
لم تكن التحركات البحرية الأخيرة للجيش الإسرائيلي باتجاه خليج إيلات (أم الرشراش) مجرد مناورة روتينية لإعادة الانتشار، بل تعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً فرضته المعطيات الميدانية الجديدة في المنطقة.
فكما كشف التحليل المنشور في صحيفة "معاريف" للكاتب رامي شاني، لم تعد المخاوف الإسرائيلية محصورة في الجبهات التقليدية المباشرة، بل امتدت لتلامس الحدود الجنوبية بثقل غير مسبوق، تحت وطأة دروس السابع من أكتوبر التي أثبتت أن المفاجآت الاستراتيجية قد تأتي من ساحات كان يُعتقد أنها بعيدة أو غير مؤهلة لفرض معادلات ردع حقيقية.
إن إرسال القطع الحربية إلى خليج إيلات واعتماد ما سُمي بـ "نهج البحث عن العدو" ليس إظهاراً للقوة المطلقة بقدر ما هو اعتراف ضمني بحدوث خلل في منظومة الردع الإسرائيلية. لقد نجح التحرك اليمني في البحر الأحمر في فرض معادلة جديدة جعلت من مضيق باب المندب شرياناً حيوياً تتهدده المخاطر بصفة مستمرة، وأجبرت المؤسسة العسكرية في تل أبيب على نقل ثقلها الدفاعي والهجومي نحو المياه الجنوبية لحماية ممراتها الملاحية ومياهها الاقتصادية.
وتتجلى الخطورة في هذا المشهد من خلال القلق الإقليمي والصهيوني المتزايد من سيناريو إغلاق المضائق الجنوبية للبحر الأحمر. فالحفاظ على حرية الملاحة لم يعد مجرد رفاهية سياسية، بل هو مسألة حياة أو موت بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي والتجارة الإقليمية. ومن هنا، فإن الحديث عن "تغيير جذري في فهم أهداف الأنشطة العسكرية" يشير إلى أن عقيدة الحماية البحرية الإسرائيلية سقطت في فخ الاستنزاف، وأصبح عليها التكيف مع تهديدات متعددة الجبهات تشمل اليمن وإيران في وقت واحد.
ورغم المحاولات الأمنية لتقليل حدة التوتر—كما ظهر في استعراض رئيس الشاباك للتهدئة والتأكيد على أن المنظومات لن تُفعّل إلا عند وقوع تهديد فعلي—إلا أن الواقع الميداني يفرض نفسه بوضوح. إن مجرد استنفار الجيش الإسرائيلي وتغيير استعداداته في المنطقة الجنوبية يؤكد أن التحرك اليمني استطاع نقل المعركة إلى عمق التفكير الاستراتيجي للعدو، ليثبت أن التطورات في البحر الأحمر لم تعد مجرد أحداث جبهة جانبية، بل أصبحت المحرك الأساسي لإعادة تشكيل خارطة الصراع وتوازنات القوة في الشرق الأوسط.