بعد تهديد إيران ودون أن تطلق رصاصة واحدة.. الهزيمة التي أعلنها نتنياهو

في مشهد بات مألوفاً لكنه يظلّ صادماً في كل مرة، لم تمر سوى ساعة واحدة بين تهديد إيراني بإغلاق مضيق هرمز، وإعلان إسرائيلي رسمي بوقف العمليات العسكرية في جنوب لبنان. ساعة واحدة فقط هي التي فصلت بين "اللاء" الإسرائيلية و"النعم" المفروضة.

بعد تهديد إيران ودون أن تطلق رصاصة واحدة.. الهزيمة التي أعلنها نتنياهو

ما حدث ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل هو تحوّل استراتيجي بامتياز، أعاد رسم معادلات القوة في المنطقة، وأثبت - مرة أخرى - أن إيران أصبحت لاعباً لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن إخضاعه بالحروب التقليدية أو بالتهديدات.

د. نجوى حسين الخزان*

ترامب ينتصر على نتنياهو ... قبل أن تنتصر إيران
لم يكن إعلان وقف إطلاق النار قراراً إسرائيلياً مستقلاً، بل جاء بعد مكالمة هاتفية وصفتها وكالة "أكسيوس" بأنها "محتدمة" بين الرئيس ترامب ورئيس الوزراء نتنياهو. وفي تلك المكالمة، وضع ترامب حداً فاصلاً بين مصلحته الانتخابية ومغامرات نتنياهو العسكرية.
فترامب، الذي نشر تقريراً على منصته "تروث سوشيال" حمل عنواناً كاشفاً: "ترامب يمتلك أوراق الفوز في المصير الانتخابي المتزعزع لنتنياهو"، كان يرسل رسالة مزدوجة: الأولى لإيران بأنه قادر على كبح جماح حليفه، والثانية لنتنياهو بأن وقته قد حان للانسحاب أو الانكسار.

إعلام إسرائيلي يعترف بالهزيمة
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في القرار نفسه، بل في طريقة تناوله إعلامياً داخل إسرائيل. فالقناة 14 الإسرائيلية - المعروفة بقربها من اليمين المتطرف - نشرت تقريراً حمل عنواناً قاسياً لم تعتد عليه الجماهير الإسرائيلية:
"تهديدات إيران تنجح مرة أخرى في كسر إسرائيل ... وتم توجيه الجيش الإسرائيلي لوقف إطلاق النار"
وهذا ليس مجرد خبر، بل هو اعتراف رسمي من قلب المؤسسة الإعلامية الإسرائيلية بأن الردع الإيراني قد نجح، وأن الجيش الإسرائيلي لم يعد يملك حرية المناورة التي كان يتمتع بها سابقاً. إنه سقوط لأسطورة "الجيش الذي لا يُهزم" أمام إرادة سياسية وعسكرية إيرانية أثبتت أنها قادرة على فرض شروطها.

لماذا هذا التوقيت تحديداً؟
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد خطوة عسكرية، بل كان بمثابة "زر التوقف" للاقتصاد العالمي. فإيران أدركت أن ورقة النفط وحركة الملاحة هي المفتاح الحقيقي لكسر الإرادة الأميركية - الإسرائيلية. ففي لحظة إعلان الإغلاق، ارتفعت أسعار النفط، واضطربت الأسواق، ووُضع ترامب أمام خيارين لا ثالث لهما:
1. إما الموافقة على وقف إطلاق النار وفق الشروط الإيرانية، واعتبار ذلك "انتصاراً دبلوماسياً" يخدم حملته الانتخابية.
2. أو الاستمرار في الحرب، مما يعني استمرار إغلاق المضيق، وارتفاع الأسعار، وغضب الناخب الأميركي قبل أشهر من الانتخابات.
اختار ترامب الخيار الأول، وكأنه يقول لإيران: "أنتِ فزتِ في هذه الجولة، لكنني سأربح في الجولة الانتخابية".

إيران ... المنتصرة الوحيدة بلا منازع
المشهد اليوم يختلف جذرياً عن أي مشهد سابق. فإيران نجحت في:
· فرض وقف إطلاق النار دون تقديم تنازلات ميدانية، فلم تطلب منها واشنطن أو تل أبيب سحب قواتها أو تخفيف وجودها في سوريا أو لبنان.
· إثبات أن الردع البحري هو ورقة رابحة، فمضيق هرمز أصبح سلاحاً استراتيجياً لا يقل خطورة عن السلاح النووي.
· كشف هشاشة التحالف الأميركي - الإسرائيلي، فترامب فضّل مصلحته الانتخابية على دعم حليفه التاريخي.
· توجيه رسالة إلى العالم بأن أي عدوان على لبنان أو غزة سيقابل بتصعيد إيراني مباشر، وليس فقط عبر الحلفاء.

ماذا بعد؟
السؤال الأهم الآن: هل هذا وقف مؤقت أم بداية لمرحلة جديدة من الردع الإيراني؟
الأرجح أن إيران ستستغل هذا الانتصار الدبلوماسي للضغط في الملف النووي، حيث أصبحت تملك ورقة ضغط إضافية: "إذا كنتم تريدون استمرار وقف إطلاق النار في لبنان، فعليكم تقديم تنازلات في فيينا".
أما نتنياهو، فيبدو أنه دخل المرحلة الأصعب في مسيرته السياسية. فهو الآن بين مطرقة اتهامات اليمين المتطرف له بأنه "خان الأمن القومي"، وسندان ترامب الذي يريده ضعيفاً ليكون أكثر طاعة.

خلاصة القول:
ما حدث اليوم ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل هو تحوّل في ميزان القوى في الشرق الأوسط. إيران أثبتت أنها قادرة على فرض إرادتها على أقوى تحالف عسكري في العالم، ليس بالصواريخ فقط، بل بمنطق الاقتصاد والنفط والجغرافيا السياسية.

* دكتوراه اقتصاد وعلوم سياسية


طباعة