الإعلان السياسي عن مذكرة تفاهم إسلام أباد .. انتصار استراتيجي لطهران

بعد أشهر من الحرب العدوانية الأمريكية الصهيونية والمواجهة العسكرية والاقتصادية والسياسية التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بهدف إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية في إيران انتهت الجولة الراهنة من المواجهة بانتصار إيران وحلفائها رغم التضحيات الكبيرة، عبر الصمود الميداني والسياسي،

الإعلان السياسي عن مذكرة تفاهم إسلام أباد .. انتصار استراتيجي لطهران

فيما وجد الكيان المؤقت نفسه أمام واقع يناقض تماماً ما أعلنه منذ بداية التصعيد، لا سيما بعد الإعلان السياسي عن مذكرة تفاهم إسلام أباد بين الجانبين (الإيراني - الأمريكي) التي تعد في جوهرها ، محطة اتفاق استراتيجية فارقة في المنطقة والعالم، كشفت نتائج واحدة من أخطر جولات الصراع التي شهدتها غربي آسيا خلال العقود الأخيرة، وأثبتت وجود انحدار واسع في الهيمنة الأمريكية.

طلال الشرعبي

وفقا لتسريبات أولية فإن الاتفاق بين إيران وأمريكا، ينص على وقف شامل للعمليات العسكرية في مختلف الجبهات وخاصةً في لبنان (ضمن إطار تكريس وحدة الساحات)، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، بعد رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية وتخفيف العقوبات النفطية والإفراج التدريجي عن الأموال الإيرانية المجمدة. كما يؤسس هذا الاتفاق أو (مذكرة التفاهم) لمسار تفاوضي يمتد 60 يوماً بهدف الوصول إلى اتفاق نهائي حول الملف النووي، مع إبعاد قضايا الصواريخ الباليستية والتحالفات الإقليمية الإيرانية خارج إطار التفاوض، وهو ما فرضته إيران بالقوة ومخرجات الميدان.
وتكمن أهمية نتائج هذا الاتفاق أيضاً، في أنها تعكس فشلاً استراتيجياً واضحاً للأهداف التي سعت واشنطن وتل أبيب إلى فرضها منذ اندلاع الصراع وبدء الحرب العدوانية. فالمطلب الإسرائيلي والأمريكي المركزي لم يكن مقتصراً على تقييد البرنامج النووي الإيراني، بل كان يتضمن أيضاً تفكيك القدرات الصاروخية الإيرانية، وإضعاف محور المقاومة، وإنهاء النفوذ الإقليمي لطهران، وفرض ترتيبات أمنية جديدة تضمن حرية العمل العسكري الإسرائيلي في المنطقة، وصولاً الى إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. إلا أن مسار الأحداث ونتائج المواجهات العسكرية، انتهت إلى نتيجة معاكسة تماماً.

قلق ورفض صهيوني
عقب الإعلان عن الاتفاق الأمريكي - الإيراني، تصاعدت ردود الفعل الإسرائيلية الرافضة للاتفاق، مع صدور مواقف حادة من أطراف سياسية تمثل الحكومة والمعارضة على حد سواء، وسط اتهامات للإدارة الأمريكية بتجاوز إسرائيل وتوجيه انتقادات مباشرة لنتنياهو بشأن إدارة هذا الملف.
وقال وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، في تدوينة، إن إسرائيل "ليست ملزمة" بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدا أن بلاده "غير خاضعة" للولايات المتحدة.
من جانبه، وجه رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب معسكر الدولة بيني غانتس انتقادات للاتفاق، واصفا إياه في تدوينة بأنه "فشل إستراتيجي"، محذرا من أن تداعياته ستدفع إسرائيل إلى خوض "صراع دبلوماسي وعسكري وقانوني" خلال السنوات المقبلة.
أما نائب رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق يائير غولان فذهب أبعد من ذلك عندما وصف الاتفاق بأنه جرى "خلف ظهر إسرائيل"، زاعماً أن ما تحقق على المستوى العسكري تم تبديده سياسياً بقرار أمريكي أعاد ضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الإيراني، وأبقى البنية النووية الإيرانية قائمة، وتجاهل ملف الصواريخ الباليستية بالكامل. معتبراً أن ما جرى يمثل واحدة من أكبر الهزائم الاستراتيجية التي شهدتها إسرائيل منذ تأسيسها.
كما كشفت مصادر من كيان العدو عن تصاعد حدة القلق والتحذيرات داخل الأوساط السياسية والأمنية تجاه الاتفاق الذي يجري إبرامه بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.

إيران أكثر ثقة
في المقابل، تبدو الجمهورية الإسلامية في إيران، أكثر ثقة في إدارة المرحلة المقبلة. فبحسب القراءة التي قدمها الدكتور حسن أحمديان، فإن الاتفاق الجديد يختلف جذرياً عن اتفاق عام 2015. ففي حين كانت إيران قد نفذت التزامات واسعة النطاق قبل التأكد من تنفيذ الطرف الآخر لتعهداته، تقوم الصيغة الجديدة على مبدأ التدرج والتحقق المتبادل. أي أن كل خطوة إيرانية ستكون مرتبطة بخطوة مقابلة من الجانب الأمريكي، ما يمنع تكرار تجربة الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي عام 2015.
وتعد هذه النقطة من أبرز التحولات التي أفرزتها الحرب الأخيرة، إذ نجحت إيران في تحويل عناصر الضغط التي امتلكتها خلال المواجهة إلى أوراق تفاوضية فعالة. فإغلاق مضيق هرمز وما ترتب عليه من تداعيات اقتصادية عالمية، إلى جانب القدرة على تهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، منح طهران هامشاً تفاوضياً أوسع مما كان متاحاً لها في السابق، بل ومكّنها من فرض معادلة ردع إقليمية، تحمي لبنان وتوفّر مظلة حماية موحّدة ضد الاستفراد بساحات جبهة المقاومة.

كواليس اللحظات الأخيرة لإعلان الاتفاق
جاء الإعلان بعد أشهر من الحرب والتصعيد العسكري والتجاذبات السياسية والمفاوضات غير المباشرة، وسط جهود وساطة قادتها عدة أطراف إقليمية ودولية أبرزها قطر وباكستان، مما أفضى إلى صياغة مذكرة تفاهم نهائية من المنتظر توقيعها رسميا في مدينة جنيف بسويسرا يوم الجمعة 19 يونيو الجاري.
ويحمل الاتفاق أبعادا تتجاوز وقف الحرب بين واشنطن وطهران، إذ يمتد ليشمل ملفات إقليمية حساسة تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية والبرنامج النووي الإيراني، فضلا عن ترتيبات مرتبطة بالساحة اللبنانية.

إعلان متزامن
وما أن أُعلن التوصل إلى الاتفاق، حتى بادر الرئيس الأمريكي بإصدار أوامره برفع الحصار البحري عن إيران، وقال ترمب إن الاتفاق يتضمن التزاما إيرانيا بعدم امتلاك أسلحة نووية مستقبلا، مع إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة الدولية.
واعتبر ترمب أن التفاهم الجديد يمثل "جدارا منيعا" ضد أي مساع إيرانية للحصول على سلاح نووي، كما وجه الرئيس الأمريكي رسالة مباشرة إلى قطاع الشحن والطاقة العالمي قائلا: "إلى سفن العالم.. شغّلوا محركاتكم، وليتدفق النفط".
في المقابل، أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن نص مذكرة التفاهم أصبح نهائيا، مؤكدا أن التوقيع الرسمي سيتم يوم الجمعة في مدينة جنيف السويسرية، بعدما عقدت طهران جولات طويلة من المباحثات مع الوسطاء، خصوصا قطر وباكستان.
وأوضح آبادي أن بلاده ستنشر تفاصيل المذكرة بعد التوقيع الرسمي عليها، مشيرا إلى وجود آليات خاصة لمراقبة مدى التزام الولايات المتحدة بتنفيذ تعهداتها الواردة في الاتفاق.

الدفع مقابل الأداء
في المقابل، نقل موقع أكسيوس عن مسؤول أمريكي رفيع نفيه "صحة ما روجته بعض وسائل الإعلام بشأن حصول طهران على 12 مليار دولار من الأموال المجمدة دون شروط قبل انطلاق مفاوضات الـ60 يوما".
وشدد المسؤول وفق أكسيوس على أن أي اتفاق محتمل يقوم على مبدأ "الدفع مقابل الأداء"، والالتزام المتبادل، وأنه لن يتم الإفراج عن أي أموال مجمدة ما لم تنفذ إيران التزاماتها.
وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قوله إنه في حال فشل التوصل إلى اتفاق نووي نهائي مع إيران، فسيتم استئناف الهجمات العسكرية على طهران، أو تحميل واشنطن مسؤولية أمن الشرق الأوسط مقابل الحصول على نسبة 20% من عائدات المنطقة.
كما وصف ترمب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه "صعب المراس للغاية"، مؤكدا أن على إسرائيل إظهار الامتنان للدعم الأمريكي، ومضيفا أن امتلاك إيران لسلاح نووي كان سيعني نهاية إسرائيل. وذكر ترمب أيضا للصحيفة أن العمليات الإسرائيلية الأخيرة كادت أن تعرقل مسار الاتفاق النهائي.

وقف للحرب وخفض للتصعيد
ومن أبرز ما رشح عن الاتفاق إقرار وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية بين الجانبين، في خطوة تهدف إلى إنهاء مرحلة من التصعيد شهدت مواجهات مباشرة وغير مباشرة، وتوترات متزايدة في أكثر من ساحة.
ووفق التصريحات الإيرانية، فإن وقف العمليات يشمل مختلف الجبهات، بما فيها الساحة اللبنانية التي شهدت خلال الأشهر الماضية تصعيدا عسكريا متواصلا وتبادلا للضربات بين إسرائيل وحزب الله، وسط مخاوف من تحولها إلى حرب إقليمية واسعة.
إلى ذلك، يحتل ملف مضيق هرمز موقعا محوريا ضمن التفاهمات الجديدة، نظرا للأهمية الإستراتيجية لهذا الممر البحري الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية.
وأكد ترمب أن المضيق سيعاد فتحه أمام التجارة الدولية فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ يوم الجمعة المقبل، داعيا سفن العالم إلى استئناف نشاطها بشكل طبيعي.
كما تحدثت مصادر إيرانية عن ترتيبات قانونية وتنظيمية جديدة لحركة الملاحة في الخليج بالتعاون مع عُمان، ويُتوقع أن ينعكس أي استقرار في حركة الملاحة عبر المضيق بصورة مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، التي تأثرت بشدة خلال الأشهر الأخيرة نتيجة المخاوف من اضطراب الإمدادات.

ترقب للتوقيع الرسمي
ورغم الإعلان السياسي عن الاتفاق، فإن الأنظار تتجه حاليا إلى مراسم التوقيع الرسمية المقررة في سويسرا، والتي ستشكل المحطة الحاسمة لتحويل التفاهمات المعلنة إلى وثيقة ملزمة للطرفين.
وتشير التصريحات المتطابقة الصادرة من واشنطن وطهران والوسطاء إلى أن العقبات الرئيسية جرى تجاوزها، وأن المرحلة المقبلة ستتركز على آليات التنفيذ والرقابة والمتابعة.
ووفق مراقبين، فإنه في حال صمدت التفاهمات الجديدة أمام الاختبارات السياسية والأمنية المقبلة، فقد يشكل الاتفاق بداية مرحلة مختلفة في العلاقات الأمريكية الإيرانية، ويؤسس لإعادة رسم توازنات المنطقة بعد سنوات من الصراع والتوتر والمواجهات المفتوحة.


طباعة