ترامب يُقايض الهزيمة بالتطبيع لإنقاذ السمعة المهدورة وأمن إسرائيل المذعورة
لم يعد في أروقة السياسة الدولية متسع للمواربة فالأوراق كُلها باتت مكشوفة والتحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة أسقطت آخر أقنعة الدبلوماسية الأمريكية الغامضة لتبدو واشنطن في عهد ترامب عاجزة عن فرض شروطها بالمدافع تائهة في البحث عن مخارج تحمي بها هيبتها المهدورة وتنقذ حليفتها الإستراتيجية إسرائيل من مستقبل يلفه الضعف والعزلة.
د. أيسر بني ضمرة
لقد جاء الاتصال المشترك عبر الدائرة المغلقة الذي أجراه ترامب السبت الماضي مع ثمانية من قادة الدول العربية والإسلامية وفي مقدمتهم السعودية وقطر وباكستان ليضع النقاط على الحروف ويكشف عن عمق المأزق الأمريكي
فترامب الذي دخل البيت الأبيض واعداً بالحسم العسكري السريع والنصر المطلق ضد إيران وجد نفسه مكبلاً بكلفة حرب باهظة واستنزاف اقتصادي وعسكري غير محسوب وتهديد حقيقي لأمن الطاقة العالمي عند مضيق هرمز.
وأمام هذا العجز العسكري الميداني وانكشاف وهن المظلة الأمنية الأمريكية التي أخفقت في توفير حماية كاملة انحنى ترامب مجبراً أمام مسودة التهدئة التي صيغت بوساطة قطرية-باكستانية.
عقدة السمعة السياسية
لكن عقلية رجل الأعمال وعقدة السمعة السياسية دفعتاه لمحاولة الالتفاف على هذا الإخفاق العسكري بنصر دبلوماسي زائف .. إذ حاول بجرأة غريبة مقايضة وقف الحرب والتوقيع على الاتفاق بانتزاع اعتراف مجاني وتطبيع رسمي مع إسرائيل من دول قوى كالسعودية وباكستان.
إن محاولة ترامب ربط التهدئة مع طهران بملف التطبيع لم تكن مناورة عابرة بل تعبيراً صارخاً عن الهلع الأمريكي من مستقبل إسرائيل فالإدارة الأمريكية تدرك جيداً أن أي اتفاق ينهي الحرب ويرفع العقوبات جزئياً عن النفط والغاز الإيراني سيعني حتماً اختلال ميزان القوى الإقليمي لصالح طهران وحلفائها.
وفي هذا السيناريو القادم، ستجد تل أبيب نفسها في أضعف حالاتها تاريخياً معزولة سياسياً في محيطها ومحاطة بجبهات مسلحة دون قدرة أمريكية على خوض حرب نيابة عنها. لذلك يستميت ترامب لتأسيس شبكة أمان إقليمية تُطوق إيران وتحمي إسرائيل عبر إدخال كبرى العواصم الإسلامية في "اتفاقيات أبراهام".
رد إقليمي صادم وحاسم
لكن الرد الإقليمي جاء صادماً وحاسماً في آن واحد فالصمت المطبق والتام الذي واجه به القادة مقترح ترامب على خط الهاتف والذي دفعه للمزاح لكسر الجمود المتصلب كان بمثابة رسالة سياسية بليغة: "زمن الشيكات على بياض قد انتهى".
لقد أثبت القادة العرب والمسلمون وعياً عميقاً بأبعاد اللعبة ورفضوا رفضاً قاطعاً أن تكون دولهم وثرواتهم أوراق ضغط لإنقاذ سمعة ترامب الانتخابية أو أدوات مجانية لتأمين التفوق الإسرائيلي على حساب الحقوق المشروعة لشعوب المنطقة.
اليوم يقف المشهد الإقليمي أمام حقيقة ساطعة ..أمريكا لم تعد قادرة على إملاء شروطها وإسرائيل تواجه شبح العزلة والضعف بينما تتحرك القوى العربية والإسلامية الكبرى بناءً على حسابات مصالحها القومية العليا وسياسة الحياد الإيجابي الذكي.
لقد سقطت الأوهام وأصبح المأزق الأمريكي الإسرائيلي مكشوفاً أمام العيان بانتظار ما ستؤول إليه الأيام القادمة من صياغة لمستقبل جديد تصنعه المنطقة بأيدي أبنائها لا بإملاءات البيت الأبيض.