أسطول الصمود العالمي .. الاغتصاب كسلاح والغرب المتواطئ ومعادلة الردع المنهارة

لم يعد اعتراض "أسطول الصمود العالمي" مجرد حادثة بحرية عابرة، ولم يعد مجرد "أزمة سياسية" يمكن احتواؤها ببيانات دبلوماسية باردة، لقد تحولت السفن إلى غرف تعذيب متنقلة، وتحولت مراكز الاحتجاز الإسرائيلية إلى ساحات اغتصاب ممنهج.

أسطول الصمود العالمي .. الاغتصاب كسلاح والغرب المتواطئ ومعادلة الردع المنهارة

د/ نجوى حسين الخزان *

لقد كشف ما حدث عن وحشية مكشوفة، ليس فقط في غزة، بل في قلب المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي تمارس التعذيب الجنسي كإجراء روتيني، أمام مرأى ومسمع من العالم.

نحن لا نتحدث هنا عن "صدمة الاعتقال" اللعينة؛ بل نتحدث عن:
· اغتصاب الصحفية الألمانية آنا ليدتك أثناء تفتيش عاري، حيث وصفت المشهد بأنه ليس فظاعة معزولة، بل "نمط منهجي من الإساءة" .
· تهديد الصحفية الأمريكية اليهودية نوا أفيشاج شنا بالاغتصاب، وتعذيبها جسدياً حتى كُسرت عظام وجهها، وجلوس جنود إسرائيليين على رقبتها لخنقها .
· اعتراف تحالف أسطول الحرية (FFC) بأن الاغتصابات لم تقتصر على ليدتك، بل طالت الصحفي الإيطالي فينشينزو فولوني والناشطة الأسترالية سوريا ماكوين .
هذه ليست "انتهاكات"؛ هذه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. هذا هو "الوجه الآخر" لدولة الاحتلال.

من "مخاوف أخلاقية" إلى "صدمة صريحة": انكشاف القناع الغربي
نتحدث عن "أزمة شرعية". أي شرعية يتحدث عنها؟ لقد سقط القناع. لقد أثبتت ردود الفعل الغربية مرة أخرى أنها لا تتجاوز حدود "القلق" و"المتابعة" بينما تُغتصب الصحفيات في زنازين الاحتلال.
الفضيحة الأعمق ليست فقط في فعل الاغتصاب، بل في صمت الإعلام الغربي الكبير (كما أشار تحالف أسطول الحرية) . بينما تبكي القنوات الغربية على أوكرانيا، يُمارس الاغتصاب ضد الأوروبيين أنفسهم من قبل "حليف" في الشرق الأوسط، فيُقابل ذلك بطبطبة على الكتف. هذا ليس ازدواجية معايير فقط، بل تواطؤ غير أخلاقي مطلق.
إن صورة "الجيش الأخلاقي" التي يروج لها الاحتلال قد تحطمت إلى الأبد في تلك الزنازين. السؤال لم يعد "كيف سيؤثر هذا على صورة إسرائيل؟"، بل أصبح: "كيف يمكن لأي صحفي أو ناشط غربي أن ينظر في المرآة بعد أن تخلى عن ضحايا الاغتصاب من أجل المصالح الجيوسياسية؟"

الاغتصاب كسلاح استراتيجي: ليست تجاوزات، بل سياسة ممنهجة
نتحدث عن "تناقض استراتيجي". التناقض الحقيقي هو أن تعتقد إسرائيل أنها تستطيع ترهيب العالم بالصواريخ وتليينه بالدبلوماسية بينما تمارس التعذيب الجنسي في الخفاء.
ما حدث في "أسطول الصمود" ليس شذوذاً عن القاعدة؛ بل هو تجسيد حي لما وصفته منظمة "بتسيلم" (B'Tselem) بـ"شبكة معسكرات التعذيب" في السجون الإسرائيلية، والتي تحدثت تحديداً عن "الاغتصاب الجماعي" . إنه نفس النظام الذي يمارس التنكيل الجنسي ضد الأسرى الفلسطينيين منذ عقود، والآن امتد ليشمل الرعايا الغربيين.

هذا هو الردع الإسرائيلي في العصر الحديث:
ليس فقط قتل الأطفال في غزة، بل اغتصاب ناشطي السلام في الزنازين لتحطيم أي رغبة إنسانية في التضامن مع الفلسطينيين.

الخلاصة: ليس احتواء، بل مواجهة
لا يوجد "سيناريو احتواء" هنا. لا يمكن احتواء جريمة اغتصاب موثقة. إن فشل المجتمع الدولي في الرد بقوة على هذا الكشف سيكون إشارة خطيرة مفادها أن جسد أي امرأة (أوروبية أو عربية) هو ساحة حرب مباحة طالما كانت في طريقها لكسر حصار غير قانوني.
إن شجاعة الصحفية ليدتك، التي قالت إنها تتحدث "بالنيابة عن كل الضحايا الفلسطينيين" ، تضع العالم أمام اختبار حقيقي:
إما أن يتم فتح تحقيق دولي فوري ومستقل في هذه الاغتصابات المنهجية، وإما أن يصمت العالم متواطئاً، ليثبت أن قيم حقوق الإنسان كانت مجرد كذبة كبرى.
فالبحر لم يعد ساحة صراع، بل أصبح مقبرة للضمير العالمي.

*دكتورة اقتصاد وعلوم سياسية


طباعة