كيانات وتفريخات سايكس بيكو المصالح والارتهان
منذ ثورة الحادي عشر من فبراير وأحداث أخرى تلتها إلى اليوم، شهدت العديد من المكونات السياسية اليمنية حالات من التمزق والانشقاقات الداخلية التي قزّمت حضور وتأثير تلك المكونات على الساحة الوطنية، ومن بين أبرز تلك المكونات المؤتمر الشعبي العام والحراك الجنوبي،
وإذا ما أخذنا أولا المؤتمر الشعبي، فقد ضربت الحزب التصدعات حتى وصلت إلى مستويات عميقة من الانقسام، وكانت بعض تلك التصدعات داخل الحزب قد سبقت حتى عام 2011، وجاءت حرب (الرياض وأبوظبي) العدوانية على اليمن وأحدثت ما أحدثته من تصدعات أخرى داخل الحزب، بين من انشق وغادر، وبين من بقي إلى أجل، ثم لحق بركب تحالف العدوان وغادر إلى الرياض أو قُتل، حتى وصل الحال بالحزب إلى ما هو عليه اليوم ( كيان لا بأس به بقي في صنعاء)، وتموضع غير منتظم بين من اختاروا المنفى وعواصم المنطقة.
وكانت آخر تلك التفريخات ما أعلنه معمر الإرياني من الرياض، حيث أشهر ومعه بعض المفسبكين والإعلاميين ما أسموه (تيار استعادة المؤتمر الشعبي العام ) والذي تعرض منذ الولادة لانتقادات حادة حتى ممن يسعون إلى هذه الفكرة ويدعمونها، بسبب ما رأوه من هيكل هزيل لهذا المكون الطارئ من بقايا حزب لطالما كان رائد التفريخ للمكونات الأخرى على طول السنين.
صدمة هادي المفاجئة
في 27 فبراير 2012 صعد عبدربه منصور هادي إلى كرسي الحكم، وكان قبلها المرشح الأنسب بالنسبة لـ علي عبدالله صالح ظناً من الأخير أن الرجل سيكون الحصان الذي من خلاله سيستمر في تغوله في السلطة ومفاصلها، كما لو أنه لم يخرج منها أساساً، خصوصاً أن الرجل لربما كانت نظرته إلى نائبه السابق لا تعدو كونها كـتابع ومؤمن بحق صالح في أن يكون هو صاحب الكلمة العليا في البلاد حتى بعد نزوله عن كرسي السلطة، أو كما اعتقد علي صالح حينها، لكن ما لم يكن متوقعا _على الأقل بالنسبة لصالح وأركان حزبه_ أن هادي لم يستمر طويلاً حتى أعلن بكل وضوح خروجه الصريح عن عباءة زعيمه، واتهم هادي علي صالح بشكل صريح في إحدى خطاباته بالتسبب في عراقيل وأعمال تخريبية كثيرة بغرض إفشال المرحلة الانتقالية، بل إنه في إحدى المرات ألمح إلى تغذية الرجل لأعمال تخريبية حتى حين كان في السلطة، ومثلت مواقف هادي هذه صدمة كبيرة لدى حزب المؤتمر، أتضح ذلك من خلال تعاطي وسائل إعلام تابعة له مع كثير من المجريات آنذاك وبعد ذلك. وكانت هذه إحدى أكبر التفريخات التي أصابت المؤتمر الشعبي العام لأن كثيراً من الأعضاء تمسكوا بهادي وقدموه على صالح لاعتبارات عديدة.
البداية والنهاية
الحراك الجنوبي الذي انطلق في عام 2007، يحمل شعارات مطلبية ويطالب برفع مظلوميات وقعت على أبناء الجنوب منذ حرب صيف 94 إلى اليوم وما اعتبروه إقصاء مناطقيا وتهميشا في المناصب والمكاسب لكن الأمر تحول لاحقاً إلى مطالب أخرى، من بينها استعادة الدولة وفك الارتباط عن صنعاء لأسباب لعل من بينها أن الدولة آنذاك لم تنظر بعين الجدية إلى إيجاد حلول لتلك المشاكل. لكن هناك عيوب أخرى داخل هذا المكون الجنوبي ذاته، أدت إلى تمزقه إلى كيانات وأجنحة متعددة، من بينها جناح ناصر النوبة العضو المؤسس بالحراك الجنوبي الذي بدا كمنفصل عن التيار الأم الذي استمر في تزعمه حسن باعوم، ثم ظهرت تفريخات جديدة تباعا،ً وشهدت إحدى الفترات صعود تيار يتزعمه الرئيس على سالم البيض كان أكثر وضوحاً في طرح موضوع الانفصال أو ما يسمونه فك الارتباط، لتمضي الأيام وتأتي حرب عام 2015 ليصعد للساحة الجنوبية تيار جديد مدعوم إماراتياً اسمه “المجلس الانتقالي الجنوبي” الذي تمكن بدعم إماراتي من السيطرة على عدن ومحافظات جنوبية عدة لسنوات. لكن عام 2025 شهد خلافا سعوديا إماراتيا حاداً على خلفية معركة حضرموت والمهرة، التي تمدد على إثرها الانتقالي شرقاً حتى كاد أن يسيطر على تلك المحافظات لولا تدخل عسكري سعودي مباشر أنهى سيطرة الانتقالي حتى على عدن، كما أنهى التواجد العسكري الإماراتي هناك وكذلك في الساحل الغربي، وأوعزت الرياض إلى مجموعة من أعضاء ذات المجلس إعلان بيان حل المجلس من الرياض وأعلنت السعودية بدء ما سمته “الحوار الجنوبي الجنوبي” في العاصمة الرياض، إلا أنها أنهت فعاليات هذا الحوار بشكل مفاجئ في غضون أيام قليلة جدآ، ما أثار صدمة بين عدد من أعضائه الذين هرولوا سريعاً إلى الرياض للحاق بكشوفات المشاركين.
مطلع الشهر الحالي أعلنت قيادات جنوبية إشهار تفريخ جديد يسمى “المجلس الانتقالي للجنوب العربي" واعتبروه ممثلا شرعياً للجنوب يهدف لاستعادة دولة الجنوب بحدود ما قبل عام 1990 -حد تعبيرهم- لتستمر التصدعات والتفريخات الجديدة جنوباً إلى ما شاء الله.
أقل المفرخين ولكن..
على مدى تاريخه، لم يتعرض حزب الإصلاح لموجة تفريخية وتقزيمية كتلك التي تعرضت لها أحزاب وتيارات كالناصري والبعث والاشتراكي والمؤتمر والتيارات السياسية والفكرية الأخرى جنوباً وشمالاً وغيرها. وكان أكثر تماسكا على مدى سنوات، إلا أنه لم يسلم مطلقاً من التصدعات على المستوى الفردي أو حتى توجهات بعينها، كما هو الحال مع قيادات أكاديمية و شبابية داخل الحزب، حيث أعلن الحزب في أكثر من توضيح إنهاء عضوية الناشطة توكل كرمان التي تتزعم تيارا شبابيا عريضاً داخل وخارج حزب الإصلاح ممن هم على ذات الميول والنهج الثوري الذي مضت عليه كرمان منذ ثورة الحادي عشر من فبراير 2011 على وجه التحديد، وكان تخلي الإصلاح عن كرمان متعدد الأسباب من بينها مواقفها السياسية الجريئة التي لم تتناسب مع فترات سياسية تدليسية مر بها الحزب، وكذلك على خلفية مواقف فكرية واجتماعية انفتاحية أبدتها كرمان خصوصاً في السنوات الأخيرة، كما أن الحزب حاول النأي بنفسه عن مواقف كثيرة لحميد الأحمر خصوصاً خلال فترة الصراع بين الأحمر وصالح، وهذا كان بمثابة الشرخ بين الإصلاح والرجل الذي مثل الامبراطورية المالية الأكبر داخل حزب الاصلاح، وتخلى الحزب كذلك عن مروان الغفوري نظراً لانحرافات فكرية رآها محافظو الحزب في أطروحات الرجل وكتابتهم.
فترة الارتهان الرسمي للسعودية وهجرة القيادات الإصلاحية إلى الرياض مطلع عام 2015 كانت إحدى أكثر الفترات تصدعاً داخل حزب الإصلاح، إذ تخلى الحزب تماماً عن قيادات كبيرة وأعضاء مجلس نواب كانوا يبدون تمردا واضحاً على بعض السياسات السعودية في اليمن، الأمر الذي كان بمثابة الخط الأحمر بالنسبة لقيادات الصف الأول بالحزب القابعة تحت ما يشبه الإقامة الجبرية في الرياض إلى اليوم، وتحت ذات التأثير السعودي أعلن حزب الإصلاح نفيه القاطع أي علاقه له بالإخوان المسلمين. وهذا الموقف سبب هو الآخر حالة من الامتعاض لدى بعض قواعد الحزب خصوصاً ممن يتواجدون في الداخل اليمني واعتبره البعض موقفاً جبانا وحالة اضطرارية، نظراً لحالة العداء التي تبديها السعودية ودول أخرى في المنطقة تجاه جماعة الإخوان.
ما يشبه الفناء
شهدت العقود الأولى من حكم علي عبدالله صالح والمؤتمر الشعبي العام حملات تفتيت شرسة قادها صالح استهدفت تيارات قومية ويسارية، كالبعث والناصري واستهُدفت شخصيات كبيرة محسوبة على ذات التوجهات بين القتل الغامض والإخفاء القسري في فترة الثأر السياسي ممن كانوا على ارتباط وثيق بالرئيس الراحل الشهيد ابراهيم الحمدي، وخلفت تلك الحملات تصدعات رسمية كبيرة داخل تلك الأحزاب والتيارات التي تحولت لاحقاً إلى أحزاب كرتونية متشظية، بعضها وإلى صالح بالمال، والأخرى ظلت ضمن المعارضة الشكلية لنظام الحكم حينها، حتى انخرطت جميعها مع الإصلاح والحزب الاشتراكي الذي تعرض هو الآخر لحملات إضعاف ممنهجة بعد حرب صيف 94. وكذلك أحزاب الحق واتحاد القوى الشعبية التي لم تسلم هي الأخرى من الاستهداف والإنهاك طيلة فترة نظام صالح، ولم تسلم حتى صحف رسمية ناطقة باسم تلك الأحزاب من بينها وأبرزها صحيفة الشورى التي تحولت إلى إصدارين مختلفين بصورة هشة بعد أن كانت ضمن أكثر الإصدارات تأثيراً وشهرة خلال تلك الحقبة، وكان الفناء الواضح لتأثير وشعبية بعض تلك الأحزاب كالناصري والاشتراكي بعد التحاق قيادات تلك الأحزاب بمن هاجروا إلى الرياض، فانطفأ تأثيرها حتى أصبحت نسياً منسيا خصوصاً مع بروز قوى جديدة في مناطق سيطرة الرياض وأبوظبي جنوب وشرق ووسط اليمن.
خروج عن الخدمة
بين عقود من الصراع السياسي وصراع المصالح وحروب التفريخ والاستهداف وبين الهجرة إلى عواصم الارتهان، شهدت اليمن سايكس بيكو تفتيتيا كبيراً أتى على أحزاب وتيارات كانت ذات هيمنة ونفوذ في الساحة السياسية والعسكرية اليمنية وحولها إلى مجرد مسميات وأطلال حزبية خارجة عن الخدمة، فقدت كل عناصر القوة والغلبة وتاهت جماهيرها في كل واد وما يزال التشرذم سيد الموقف في طريق الفناء السياسي الكبير.