في حصيلة أولية للخسائر الأمريكية الصهيونية خلال الحرب العدوانية على إيران.. مقتل أكثر من 1000 ضابط وجندي وإصابة 5000 آخرين
شهدت الجولة الثالثة من الحرب العدوانية الأمريكية الصهيونية على إيران ومحور الجهاد والمقاومة هجمات وضربات متبادلة أشد ضراوة من سابقاتها، مارست خلالها إيران حقها المشروع في الدفاع عن النفس والرد على المعتدين،
وكبدتهم خسائر بشرية واقتصادية كبيرة وجسيمة، وأفشلت مخططاتهم وحالت بصمودها وتماسكها وردها القوي والحازم والفوري دون تحقيق أهدافهم في إسقاط النظام الإيراني وفرض وقف التخصيب ومصادرة ما تم تخصيبه وتفكيك وتدمير القدرات الصاروخية والقضاء على محور الجهاد والمقاومة وتمهيد الطريق لإقامة دولة إسرائيل الكبرى.. في التقرير التالي سنحاول وبشكل موجز عرض جانب من الخسائر الأمريكية الصهيونية خلال الحرب العدوانية على إيران.. فإلى التفاصيل:
موسى محمد حسن
بدأت الحرب العدوانية الأمريكية الصهيونية على إيران بتاريخ 28 فبراير 2026، وتم شن ضربات مباغتة استهدفت قائد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي وعدداً من كبار القادة العسكريين في الجيش والحرس الثوري، إضافة إلى استهداف المنشآت النووية السلمية والبنية التحتية والمصالح المدنية، ومواقع أخرى قيل بأنها عسكرية.
ومن يوم لآخر، تطورت الهجمات وتوسعت ، وصولاً إلى استهداف المؤسسات والمنشآت والأعيان المدنية في إيران، بما فيها المدارس، والجامعات، والمستشفيات، والوحدات السكنية، والجسور والطرقات، والمصانع والمعامل، والمطارات، والموانئ، ومنشآت الكهرباء والطاقة والمياه.
وتوجه ترامب ونتنياهو بخطابات مباشرة ونداءات متكررة ومناشدات عاجلة للشعب الإيراني تدعوه لاستغلال ظروف الحرب والتحرك لإسقاط النظام دون أي تأخير. كما جرى تسليح الجماعات المعارضة والانفصالية في الداخل والخارج ودفعها للتحرك العسكري لاجتياح طهران وتغيير النظام.
وكان الأخطر في هذه الحرب العدوانية أنها انطلقت من القواعد الأمريكية في دول الخليج العربي والجوار الإيراني، بعد تخطيط وتنسيق مسبق مع أمريكا وشراكة مباشرة في الحرب والقتال حسب تصريحات ترامب واعترافاته المتكررة، وبعد أن تلقى منها أكثر من خمسة تريليون دولار. فيما يقال - إعلامياً - أنها تكفلت بتحمل كلفة العدوان المالية، وأسند لها مهام سياسية وإعلامية لممارسة الضغط الإقليمي والدولي على طهران، وتحييد أي دور إيجابي محتمل لبعض الدول المهمة في المنطقة والإقليم وغيرها.
حاليا، وبعد أربعين يوماً من العدوان الأمريكي الصهيوني والتصدي والرد الإيراني القوي، ومع الوقف المؤقت لإطلاق النار - بات من الممكن رصد أبرز ما تحقق وما لم يتحقق على صعيد كل طرف، ورصد حجم الخسائر التي لحقت بكل طرف أيضاً.
فيما يلي عرض أولي من واقع التقارير المنشورة والمتداولة لما تكبده المعتدين الأمريكان والصهاينة الغاصبين من خسائر ثقيلة وغير مسبوقة أجبرتهم على وقف عدوانهم واللجوء إلى المفاوضات علهم يحققوا ما عجزوا عن تحقيقه بالحرب والعدوان.
رد عسكري إيراني فوري
في إطار التصدي للعدوان الأمريكي والصهيوني والرد على المعتدين، منذ اللحظات الأولى، أمطرت القواعد الأمريكية - في المنطقة - المشاركة في العدوان بضربات صاروخية إيرانية تدميرية واسعة، وهجمات مماثلة إلى عمق كيان الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.
وتلقت واشنطن والكيان وحلفاؤهم في المنطقة صفعة قوية جداً. إذ تمكنت إيران ومحور المقاومة من استهداف كل قواعد أمريكا الأمنية والعسكرية المشاركة في العدوان على إيران ومعدات هذه القواعد وتجهيزاتها ومصالح واشنطن المالية والاقتصادية والتقنية والتكنولوجية في دول الخليج العربي الخمس والعراق والأردن ، وتدمير قواعدها العسكرية كلياً وجزئياً وإخراج معظمها عن الخدمة.
أضرار وخسائر هائلة جراء الضربات الإيرانية
وفي تقرير "صادم" كسر حاجز التعتيم الإعلامي والعسكري المفروض، كشفت قناة "إن بي سي نيوز" الأمريكية أن حجم الدمار الذي لحق بالقواعد والمعدات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط جراء الهجمات الإيرانية يفوق بمراحل ما أعلنه البنتاجون رسمياً؛ التقرير الذي استند إلى شهادات مسؤولين ومساعدين في الكونجرس، أكد أن واشنطن تعمدت إخفاء "حجم الكارثة" عن الرأي العام.
خسائر بـ "مليارات الدولارات"
نقلت قناة "إن بي سي نيوز" عن 3 مسؤولين أميركيين أن أعمال الإصلاح والترميم للمعدات والقواعد المتضررة في منطقة الخليج والشرق الأوسط قد تكلف الخزينة الأمريكية "مليارات الدولارات"، وهو رقم يعكس حجم الدمار الاستراتيجي الذي طال منشآت حيوية كانت تُعتبر محصنة.
هجمات مؤلمة ومنظمة
وفي مفاجأة عسكرية مدوية، كشف تقرير القناة أن إحدى الهجمات نُفذت بطائرة إيرانية من طراز (إف-5)، وبالرغم من كونها طائرة من جيل قديم، إلا أنها نجحت في اختراق الدفاعات الجوية الأمريكية الأكثر تطوراً في المنطقة وضرب أهدافها بدقة، مما يضع "كفاءة" المظلة الدفاعية الأمريكية في موضع تساؤل.
وأشار التقرير إلى أن حجم الخسائر الفعلية في القواعد والمعدات بالخليج جرى إخفاؤه بذكاء لتجنب إظهار الضعف أمام الخصوم وللحفاظ على الروح المعنوية، لكن "الحقائق الميدانية" المسربة تؤكد أن الضربات الإيرانية كانت "مؤلمة" ومنظمة لدرجة لم يتوقعها المخططون العسكريون في واشنطن.
فشل منظومات الاعتراض
ولفت التقرير إلى أن وصول الطائرات والصواريخ الإيرانية لأهدافها وتسببها في أضرار واسعة يثبت أن استراتيجية "الإغراق الصاروخي" و"الهجمات المتعددة" التي تتبعها طهران نجحت في استنزاف وتجاوز تكنولوجيا الرادارات والاعتراض الأمريكية في المنطقة.
وهذا اعتراف ضمني بهزيمة تقنية وتكتيكية؛ فبينما كان ترامب يهدد بضرب البنية التحتية الإيرانية خلال 3 أيام، كشفت "إن بي سي نيوز" أن البنية التحتية العسكرية الأمريكية هي من تعاني الآن من "ندوب غائرة" وتكاليف إصلاح خرافية.
تحقيق استقصائي موسّع
من جهتها، فجّرت شبكة CNN الأمريكية مفاجأة مدوية عبر تحقيق استقصائي موسّع اعتمد على صور أقمار صناعية عالية الدقة ومصادر مطلعة داخل الولايات المتحدة ودول الخليج، حيث كشف التحقيق أن إيران لم تكتفِ بالرد الدفاعي، بل نفذت هجومًا واسع النطاق استهدف البنية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط بشكل شبه شامل، حيث طالت الضربات ما لا يقل عن 16 منشأة وقاعدة عسكرية.
ضربات دقيقة وأهداف نوعية
التحقيق يكشف أن الهجمات الإيرانية لم تكن عشوائية أو استعراضية، بل ركزت على أهداف نوعية تمثل العمود الفقري للقدرات العسكرية الأمريكية، حيث تم استهداف أنظمة الرادار المتقدمة التي تمثل خط الدفاع الأول، إضافة إلى شبكات الاتصالات العسكرية التي تُستخدم في تنسيق العمليات، إلى جانب الطائرات والمنصات الجوية داخل القواعد.
هذا النوع من الاستهداف يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة عمل الجيش الأمريكي، إذ أن تعطيل هذه الأنظمة لا يقل خطورة عن تدمير الدبابات أو الطائرات، بل قد يكون أكثر تأثيرًا لأنه يشل القدرة على القيادة والسيطرة.
دمار واسع ومنشآت خارج الخدمة
وبحسب صور الأقمار الصناعية التي استند إليها التحقيق، فإن القواعد الأمريكية المستهدفة تعرضت لأضرار جسيمة جعلتها “شبه غير صالحة للاستخدام”، وهو توصيف عسكري خطير يعني أن هذه المواقع والقواعد لم تعد قادرة على أداء مهامها العملياتية بشكل طبيعي.
أحد المصادر المطلعة وصف حجم الدمار قائلاً: “لم أشاهد شيئًا كهذا من قبل”، في إشارة إلى شدة الضربات ودقتها، وهو ما يعكس صدمة داخل الأوساط العسكرية الأمريكية نفسها من مستوى التنفيذ الإيراني.
تكلفة اقتصادية أمريكية باهظة
على الجانب الاقتصادي، يكشف التحقيق أن الحرب كلفت الولايات المتحدة حتى الآن ما بين 40 إلى 50 مليار دولار، في حين يقدّر البنتاغون الرقم رسميًا بنحو 25 مليار دولار، وهو فارق كبير يطرح تساؤلات حول الحجم الحقيقي للخسائر.
لكن الأخطر من الأرقام هو نوعية الخسائر، إذ أشار التقرير إلى أن العديد من المعدات التي تم تدميرها تُعد من الأصول الاستراتيجية مرتفعة التكلفة وصعبة الاستبدال، وعلى رأسها أنظمة الرادار، التي تُعتبر من أكثر الموارد العسكرية ندرة وحساسية في المنطقة.
ما يزيد من أهمية هذا التحقيق هو ما تضمنه من اعترافات غير مباشرة من مصادر أمريكية، أقرت أن إيران نجحت في اختيار أهدافها بدقة شديدة، مركزة على النقاط الأكثر تأثيرًا داخل المنظومة العسكرية الأمريكية.
تفوق إيراني يدك عمق الاحتلال
وبالتزامن مع استهداف ودك القواعد والمصالح الأمريكية في دول المنطقة، وجهت إيران ومحور المقاومة أقوى الضربات العسكرية إلى عمق كيان الاحتلال الصهيوني في جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتمكنت طهران والمحور من استهداف ودك أهم قواعد ومنشآت ومصالح كيان الاحتلال العسكرية والأمنية والتكنولوجية والتقنية، وتدمير بعضها تدميراً مهولاً، وإخراج أكثرها من العمل والخدمة.
خسائر بشرية أمريكية وصهيونية
وفيما يتعلق بالخسائر البشرية الأمريكية خلال الحرب مع إيران، وبالرغم من التعتيم الإعلامي الأمريكي، إلا أن مصادر عسكرية أمريكية كشفت عن أرقام كبيرة لعدد القتلى والمصابين من الضباط والجنود الأمريكيين.
وفي هذا السياق، اعترف وزير البحرية الأمريكية جون فيلان في نص استقالته التي قدمها للبنتاغون، بمقتل أكثر من 1000 ضابط وجندي أمريكي خلال الحرب الأخيرة مع إيران، إضافة إلى 5000 إصابة.
وقال جون فيلان "في مواجهتنا مع الحرس الثوري فقدنا أكثر من ألف جندي وضابط، وهناك 5 آلاف إصابة، من بينها ما لا يقل عن ألف وخمسمائة مصاب سيكملون حياتهم بإعاقة جسدية، وسيرقدون على أسرتهم حتى الموت".
وبالنسبة للخسائر البشرية الصهيونية، فقد كشف تقرير نشرته إندبندنت البريطانية، جانبا من الخسائر البشرية لكيان الاحتلال الصهيوني خلال الحرب مع إيران حتى 1 إبريل الجاري.
وتقول الصحيفة، استنادًا إلى أرقام رسمية ومصادر حقوقية وعسكرية حتى الأول من أبريل الجاري، فإن إسرائيل تكبدت خسائر كبيرة وفادحة في قدراتها العسكرية والدفاعية وفي مواقعها وقواعدها ومنشآتها الحيوية والإستراتيجية وبنيتها التحتية. إضافة إلى مقتل العشرات من المستوطنين والجنود الصهاينة، وإصابة الآلاف أيضا.
وبحسب الأرقام الرسمية والمصادر الحقوقية والعسكرية وفقاً لما نقلته صحيفة الإندبندنت البريطانية، فقد أسفرت الصواريخ القادمة من إيران ولبنان عن مقتل 19 مستوطنا وإصابة المئات، بينما أعلن جيش الاحتلال الصهيوني مقتل العشرات من جنوده في جنوب لبنان.
حصيلة قتلى وجرحى الكيان
وأعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية بتاريخ 8 إبريل الجاري، إصابة 7645 إسرائيليا بجروح بينهم 2811 أُصيبوا أثناء توجههم إلى الملاجئ.
وكانت وزارة الصحة الإسرائيلية قد أعلنت في 7 إبريل الجاري، أن عدد المصابين بلغ 7183، مما يعني تسجيل 462 إصابة جديدة خلال يوم واحد فقط.
ولم تتضمن المعطيات - التي أعلنتها وزارة الصحة الإسرائيلية - عدد القتلى، وإن كانت معطيات نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي - في منتصف شهر مارس الماضي- قد أشارت إلى مقتل 16 إسرائيليا، بينما وثقت خدمة الإسعاف مقتل 15 شخصا، بينهم 9 في هجوم صاروخي على "بيت شيمش" وجنديان في جنوب لبنان.
ويفرض الجيش الإسرائيلي رقابة مشددة على وسائل الإعلام لمنع نشر خسائر الرد الإيراني وهجمات حزب الله على كيان الاحتلال وعلى القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
خسائر اقتصادية صهيونية مهولة
إلى ذلك، كشف تقرير ليوفال ساديه، نشرته القناة الـ12 العبرية بتاريخ 7 إبريل الجاري، تفاصيل حجم الخسائر التي تكبدتها إسرائيل جراء الحرب ضد إيران وحزب الله في لبنان خلال 40 يوما.
وتُقدّر وزارة المالية والمؤسسة الأمنية في كيان الاحتلال الصهيوني تكاليف الأمن المباشرة بنحو 35 مليار شيكل (11.5 مليار دولار)، كما نقل ساديه عن العميد (احتياط) رام أمينوآش من المعهد الوطني للأمن القومي، وهو عضو سابق في منتدى هيئة الأركان العامة، تقديراته بتكاليف الحرب حتى الآن بمبلغ أعلى قليلاً، يبلغ نحو 37 مليار شيكل (12.1 مليار دولار).
وأوضح أن هذا المبلغ يتألف من 18 مليار شيكل للأسلحة (5.9 مليارات دولار)، و7.5 مليارات شيكل (2.46 مليار دولار) لساعات الطيران، و5 مليارات شيكل (1.64 مليار دولار) لأيام الاحتياط، و6.5 مليارات شيكل (2.13 مليار دولار) لتكاليف أخرى كالحوسبة والأضرار.
وعن الخسائر في الشق المدني تُقدّر وزارة المالية في كيان الاحتلال تكلفة التعويضات بموجب ضريبة الأملاك بنحو 12-13 مليار شيكل ويشمل هذا المبلغ أيضا المدفوعات المتوقعة بموجب خطة التعويض للشركات التي عانت من انخفاض في حجم أعمالها خلال الحرب.
إضافة إلى ذلك، من المتوقع إنفاق مليار شيكل (0.33 مليار دولار) أخرى لتمويل خطة "غالات" للموظفين الذين لم يتمكنوا من الحضور إلى العمل، ولتعويض السلطات المحلية.
واقترحت مصلحة الضرائب في كيان الاحتلال مبلغا أقل يتكون من 7.5 مليارات شيكل (2.46 مليار دولار) لتمويل التعويض عن الأضرار غير المباشرة، بما في ذلك التعويض للشركات، و2.5 مليار شيكل (0.82 مليار دولار) أخرى للتعويض عن الأضرار المباشرة.
وأشار ساديه إلى أنه حتى صباح الخميس 7 إبريل الجاري -أي قبل يوم واحد من إعلان وقف إطلاق النار- تم تقديم 28,237 مطالبة تعويض عن أضرار مباشرة لحقت بالممتلكات إلى صندوق التعويضات، منها 18,408 مطالبات عن أضرار لحقت بالمباني، و2,594 مطالبة عن أضرار لحقت بالمحتويات والمعدات، و6,617 مطالبة عن أضرار لحقت بالمركبات.
وتُعدّ تل أبيب (حوالي 5,100 مطالبة)، وبئر السبع (حوالي 3,600 مطالبة)، وعراد (حوالي 2,350 مطالبة) أبرز المناطق التي تم تقديم مطالبات التعويض منها، إضافةً إلى ذلك، تم تقديم حوالي 2,000 مطالبة من بيتاح تكفا، وحوالي 1,500 مطالبة من ديمونة، وحوالي 1,400 مطالبة من بيت شيمش.
خسائر دول الخليج الحليفة
وبدا واضحاً، ومنذ اللحظات الأولى لبدء العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران، أنّ دول الخليج الحليفة ستكون الخاسر الاقتصادي الأكبر، إما بسبب اضطراب الحركة الملاحية في مضيق هرمز وتوقّفها، وإما بسبب توقّف النشاط الاقتصادي في العديد من القطاعات الحيوية التي تعتمد عليها دول الخليج كالصناعات النفطية، السياحة والسفر، وغيرها.
ومع كلّ يوم جديد من أيام العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، كانت فاتورة خسائر دول الخليج تزداد قيمتها وتتفاقم أكثر، خاصة بعد استهداف إيران للعديد من القواعد والمنشآت الأميركية أو المواقع والأماكن التي اختبأ فيها الجنودال أميركيون أو احتوت على معدات أميركية، هذا رغم تأكيد دول الخليج أكثر من مرة رفضها السماح للقوات الأميركية باستخدام أجوائها أو مياهها في العدوان على إيران.
وأياً كانت المواقف في هذا السياق، فإنّ العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من تطوّرات عسكرية وصلت إلى حدّ إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، تسبّب بحدوث خسائر وأضرار اقتصادية للعالم أجمع، إلّا أنّ دول الخليج بقيت الأكثر تأثّراً، فخسائرها تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات، ومع ذلك فإنّ خطوات الرئيس الأميركي ترامب التصعيدية منذ بداية هذه الحرب العدوانية، ولا سيما ما يتعلّق منها بحصار الموانئ الإيرانية واستهداف بناها التحتية، تجاهلت تماماً ما يمكن أن تجلبه لعموم دول المنطقة والعالم أجمع من خسائر وأضرار اقتصادية كبيرة.
خسائر المنطقة عموماً
وفر العدوان - الأمريكي الإسرائيلي - لطهران الفرصة الذهبية للأخذ بثأر قادتها وشهدائها، والانتقام الشديد من أشد خصومها وأعدائها بعد مرور أكثر من أربعين عاماً من الصبر الاستراتيجي على الحصار والعقوبات والاغتيالات وتدبير الفتن والمؤامرات. وتمكنت - عبر هرمز - من فرض الحصار الخانق على كل المعتدين عليها، مما ألحق بهم خسائر وأضراراً فادحة.
وتذهب جميع التقديرات الأممية إلى أنّ خسائر المنطقة عموماً، ودول الخليج خصوصاً، من جرّاء الحرب على إيران لن تكون عابرة، فهي ستؤثّر لعدة سنوات على اقتصادات هذه الدول وسياساتها، إذ إنّ بعضها ستحتاج إلى عدة أشهر أو سنوات حتى تتمكن من إعادة أوضاعها الاقتصادية إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
ووفق تقرير صادر مؤخّراً عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة فإنّ التقديرات الأولية تتحدّث عن أنّ الخسائر المباشرة لاقتصادات دول المنطقة تتجاوز 200 مليار دولار، منها ما بين 103-168 مليار دولار خسائر دول الخليج، هذا إضافة إلى الخسائر الاجتماعية الأخرى المتمثّلة مثلاً في فقدان نحو 3.6 ملايين فرصة عمل في عموم المنطقة.
والمثير للانتباه هنا أنّ المتحدّثة باسم البيت الأبيض لم تتردّد عند سؤالها عن إمكانية تحميل الولايات المتحدة لحلفائها في الخليج جزءاً من نفقات الحرب، باحتمالية حصول ذلك. وإذا ما تحقّق ذلك فعلاً فإنّ قيمة خسائر دول الخليج المباشرة سوف ترتفع، كما أنّ تحدّياتها الاقتصادية التي تنتظرها في مرحلة ما بعد الحرب ستتعمّق أكثر فأكثر.
رغم هذه الخسائر الاقتصادية المهولة والتوقّعات بارتفاعها، فقد استمرّ ترامب في حربه على إيران، متجاهلاً في ذلك كلّ الدعوات من دول المنطقة والعالم، والمطالبة بوقف هذه الحرب والبحث عن حلّ دبلوماسي وسلمي يحمي مصالح المنطقة ويحفظ لها استقرارها. وحتى عندما اضطرّ ترامب مرغماً تحت ثقل خسارته للإعلان عن هدنة مؤقتة وعقد جولة أولى من المفاوضات مع إيران في باكستان، فإنه قام بجملة خطوات تصعيدية، أبرزها فرضه حصاراً على الموانئ الإيرانية، وهو ما دفع طهران للردّ بإغلاق مضيق هرمز مجدّداً بعد أن تنفّس العالم الصعداء وتفاءل بإمكانية عودة الاستقرار إلى الأسواق والبورصات.
انقسام سياسي أمريكي
في الجانب المقابل للخسائر العسكرية والبشرية التي تكبدتها كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في الحرب مع إيران، شهد المشهد السياسي الأمريكي والرأي العام داخل أمريكا انقساماً حاداً غير مسبوق. وخرج ملايين الأمريكيين - قدروا بعشرة ملايين- في أكثر من ثلاثة آلاف تجمع احتجاجي في حملة "لا ملوك" (No Kings) للتعبير عن احتجاجهم ورفضهم القاطع للحرب على إيران. وفشل ترامب وإدارته في تكوين رأي عام -أمريكي وغربي- متساوق مع الحرب ومبرراتها وأهدافها. وانطلقت أصوات شعبية وسياسية ودستورية عليا تطالب بعزل الرئيس الأمريكي لإخلاله بمسؤولياته وانحرافه بالسلطة وسوء استعمالها واستغلالها. على عكس المشهد الإيراني السياسي والوطني الذي شهد تماسكاً وتضامناً غير مسبوق.
تفكك حلفاء واشنطن والكيان
في حين تمكنت طهران من استعادة قوة الردع والهيبة - أو معظمها - بعد سنوات من التنمر الأمريكي الصهيوني في المنطقة. خسرت واشنطن شيئاً كثيراً من هيبتها ونفوذها وقواعدها وتواجدها وحلفائها الإقليميين والدوليين وخسر كيانها وحلفاؤها في المنطقة كل ما كان قد تم بناؤه ومراكمته خلال كل السنوات والعقود الماضية.
وأدى العدوان على طهران وتحكمها الذكي في مضيق هرمز، إضافة لرفض حلفاء أمريكا الخضوع والانصياع لضغوط الانخراط المباشر في الحرب على إيران، إلى نشوب أزمة حادة بينها وبين أصدقائها الغربيين والإقليميين، وصولاً إلى الحافة في علاقتها مع أهم شركائها الاستراتيجيين في الناتو (NATO).
ولم تفلح مساعي جر الناتو - ولا حتى دولة واحدة- للإنضمام إلى الحرب، رغم كل الجهود والضغوط التي قادها ترامب وإدارته، وما وجهه من عنف لفظي وشتائم وتحقير لنظرائه الرؤساء الأوروبيين، وتهديده المتكرر بوقف الدعم والتمويل عن الناتو، وصولاً للتهديد بالانسحاب منه. وبهذا بات طرفا (الأطلسي) على وشك التفكك والانهيار بعد خمسة وسبعين عاماً من التحالف الوثيق والعمل المشترك. وهو ما يصب في مصلحة خصوم واشنطن، وفي مقدمتهم إيران وروسيا والصين.
فشل تدويل قضية مضيق هرمز
فشلت واشنطن وإسرائيل والحلفاء الخمسة في الخليج من تدويل قضية مضيق هرمز، ولم يتمكنوا من تمرير قرارات دولية تشرعن هجماتها وضرباتها على طهران أو تفضي لتشكيل تحالفات عسكرية تشاركها الحرب والعدوان.
بل خسرت أبرز حلفائها التاريخيين، لدرجة أن بعض الدول الغربية منعت عنها استخدام أراضيها وقواعدها، ومنعت طائراتها من عبور أجوائها أو تزويدها بالوقود، ورفضت رفضاً قاطعاً المشاركة في أي أعمال عسكرية ضد طهران. ولم يتمكن ترامب وإدارته من ضم أي دولة عدا دول الخليج الخمس التي حظيت بشكره وإشادته.
في المقابل، كسبت طهران شرعية الدفاع والتصدي للعدوان، وتمكنت من ممارسة ذلك ضمن محور الجهاد والمقاومة وخيار "وحدة الساحات". وحظيت بتأييد شعبي وسياسي وإعلامي عالمي يدعم حقها المشروع في الدفاع عن بلدها وشعبها والرد على العدوان ومصادره، وعززت من حضورها وتحالفاتها وخبراتها وقدراتها.
طهران تنتصر وتفرض شروطها
ومع انتهاء مهلة وقف إطلاق النار، أعلنت أمريكا من جانب واحد تمديد وقف إطلاق النار، وهو إجراء یعکس قلق واشنطن من المخاطر العالية للدخول مجددا في الحرب مع إيران.
حيث تدرك الولايات المتحدة أن الدخول مجدداً في الحرب قد يملأ يد إيران -إضافة إلى مضيق هرمز- بأوراق جديدة ومهمة، مما يضطر ترامب في المفاوضات المحتملة بعد الحرب إلى تقديم تنازلات إضافية لإيران ليخرج من مستنقع الحرب.
وعودة أمريكا إلى سياسة الضغوط الاقتصادية ضد إيران ليست جديدة، لكن الفرق في هذه الجولة من الضغوط الاقتصادية باستخدام أداة الحصار البحري -مقارنة بالاجراءات السابقة التي كانت أيضاً نوعاً من الحصار الاقتصادي، وربما كانت أشد قسوة من الحصار البحري- هو أن أمريكا هذه المرة قد خرجت من حربا عسكرية شاملة وفاشلة ضد إيران. لذلك، في حال عدم فعالية الضغط الاقتصادي فإن الخيارات المطروحة على الطاولة الأمريكية لم تعد هذه المرة ذات مصداقية، وقد انتهى تاريخ صلاحيتها.
الفرق بين الضغط الاقتصادي الجديد على إيران والفترات السابقة هو أن إيران هذه المرة استخدمت مضيق هرمز كأداة عقابية واقتصادية فعالة للغاية. لذلك إذا كانت إيران في الفترات السابقة مجرد متلقية للضغط والعقوبات، فإنها هذه المرة هي من يفرض الضغط والعقوبات الاقتصادية على أمريكا وحلفائها.
ولا شك أن إيران هي المنتصرة في الحرب الاخيرة المفروضة عليها لا سيما بعد نجاحها في إسقاط اسطورة أدوات القوة القتالية البحرية والجوية الهائلة للعدو مثل حاملات الطائرات العملاقة جيرالد فورد، أبراهام لينكولن والمدمرات والبوارج الحربية، واستهداف مختلف أنواع المقاتلات الجوية المتطورة بدءا من إف-35 وصولاً إلى سائر الطائرات الحديثة والمتطورة جدا للعدو، وأنظمة الدفاع الجوي باهظة الثمن.
وفي المقابل، الكشف عن بعض القدرات الدفاعية والهجومية الإيرانية في الحرب الأخيرة، والتي أوقعت بالعدو ضربات قاصمة ومزلزلة وكبدته خسائر ضخمة وغير مسبوقة، يظهر أنه حتى على المستوى العسكري، فإن إيران هي صاحبة اليد العليا؛ ولذلك یمكن فهم هروب ترامب مرتين من الحرب ضد إيران في غضون أسبوعين.