المقاومة اللبنانية.. تواصل خوض غمار معركة إسقاط الرهان وما لم يكن في الحسبان
الأربعاء 27 نوفمبر 2024، كان موعد وقف إطلاق النار بين المقاومة اللبنانية والاحتلال الإسرائيلي بوساطة وضغوط دولية، ما كانت إسرائيل لترضخ لها لولا إدراك الحكومة الإسرائيلية صعوبة الموقف حينها، رغم ما اعتبر خلال حرب الإسناد تلك من تضحيات كبيرة قدمتها المقاومة اللبنانية،
أبرز تلك التضحيات أن فقد حزب الله أمينه العام السيد حسن نصر الله، لكن ضربات متواصلة طالت عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة وأماكن تمركز العدو في مناطق الحدود اللبنانية، واستمرت بكل قوة حتى وصل الجانب الإسرائيلي ومن ورائه الأمريكي إلى قناعة بأن الأمور ليست على ما يرام، وأن المقاومة اللبنانية، ورغم كل ما حل بها، قد أثبتت صلابة غير اعتيادية ألزمتهما الدفع باتجاه وقف إطلاق النار بين الجانبين واستخدام الأمم المتحدة في ذلك ضمان إلزام الجانب اللبناني بذلك.
مرحلة الحرب النفسية الأكبر
ما إن دخل وقف إطلاق النار في جنوب لبنان حيز التنفيذ خلال الحرب قبل الأخيرة حتى دشنت وسائل إعلام أجنبية وأخرى عربية مرحلة جديدة من الحرب النفسية ضد المقاومة وجمهور المقاومة، واُستخدم من أجل ذلك حشد من أراذل مرتادي الفقرات التحليلية على تلك الفضائيات ضمن عملية ممنهجة تهدف إلى إرغام الشارع العربي والناس على التعامل مع المقاومة اللبنانية، كما لو أنها ورقة قد طويت إلى الأبد، إضافة إلى استهداف الجبهة النفسية والمعنوية للمقاومة اللبنانية ذاتها، وما شجع على تنامي هذه الحرب الإعلامية القذرة أن الجانب الإسرائيلي قد استمر في خروقاته المستمرة لوقف إطلاق النار كعادته، مرتكبا جرائم قتل وتدمير وتهجير واغتيالات طالت المواطنين وبعض المقاومين خلال تحركهم في مرحلة يفترض أنها تتسم بضبط النفس والهدوء. لكن هذا هو ديدن العدو الإسرائيلي في كل مراحل الصراع العربي الإسرائيلي منذ اغتصاب أرضنا الفلسطينية المحتلة إلى اليوم.
إرجاف واستغلال وتواطؤ
بعد فراغ سياسي استمر لسنوات، أفضت تفاهمات بين مختلف الأطراف اللبنانية أبرزها أطراف المقاومة في حزب الله وحركة أمل، إلى انتخاب جوزيف عون رئيساً توافقياً لـ لبنان، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة نواف سلام، لكن ما أن تسلما مقاليد الحكم بدعم وموافقة المقاومة حتى انقلبا على معظم التفاهمات، وبدت على كل تصرفاتهما حالة من الاستغلال لما مرت به المقاومة اللبنانية من ظروف بسبب العدوان الإسرائيلي على البلاد، واستهداف قيادات المقاومة ومرور المقاومة بمرحلة ترتيب صفوف وملء الشغور القيادي، الذي أعلن بيان للمقاومة الانتهاء منه في فترة قياسية منذ استهداف السيد حسن نصرالله وخليفته من بعده، كما لوحظت حالة من التوطؤ الرسمي اللبناني مع كل ما حيك ويحاك ضد المقاومة، سواءً من قبل الأعداء أو حتى في الأروقة الدولية الخاضعة للإملاءات الأمريكية والرغبة الإسرائيلية. ومع مرور الوقت شرعت الحكومة اللبنانية في محاولة عديدة هدفت إلى تجريد المقاومة من سلاحها تحت ذريعة حصرية السلاح بيد الدولة، لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل خصوصاً أن رؤية المقاومة فيما يتعلق بهذا الأمر كانت منطقية، إذ طالب الجانب السياسي في حزب الله باستراتيجية دفاعية واضحة تضمن أمن البلاد والدفاع عن سيادتها وحدودها قبل التفكير في نزع سلاح حزب الله، الأمر الذي أقنع الكثير، حتى من بعض من لا يدعمون المقاومة داخل وخارج لبنان، لكون الجميع يدرك جيداً أن الجيش اللبناني إذا ما كان البديل للمقاومة اللبنانية في مناطق الجنوب والضاحية، فلن يكون عند مستوى المسؤولية التي تقتضي صون السيادة ودرء كل المخاطر المحدقة بالبلاد، خصوصاً أن هناك عدوا يتربص ولا أمان له على الإطلاق والجيش اللبناني نفسه لا يستطيع أن ينكر حقيقة أنه ليس عند مستوى تلك المسؤولية البتة.
تكالب سياسي عربي وضغط ممول
إذا ما نظرنا لبعض المواقف العربية من المقاومة خلال فترة لملمة الأوراق وإعادة ترتيب البيت الداخلي للمقاومة اللبنانية، فإننا نستشف حالة من التكالب الإعلامي وفي بعض المواقف الرسمية المعلنة من دول كـ السعودية وغيرها، وهي تطلق تصريحات أشبه ما تكون بالتحريض العلني على المقاومة. الأمر يؤكد أن نفس الاستغلال الذي جرى في لبنان وغيره لما مرت به المقاومة اللبنانية قد سرى على هذه الدول وأطراف خارج محيط المواجهة العسكرية القائمة في لبنان والأراضي المحتلة.
ضغط وحصار مباشر مارسته السلطة الجديدة في سوريا على المقاومة اللبنانية على امتداد الحدود بين البلدين، إضافة إلى حرب إعلامية وحملات تشويه ممنهجة لم تخل من التصنع الواضح للمحتل الإسرائيلي الذي يقف بجنوده على جبل الشيخ في عمق الأراضي السورية، في استحداث احتلالي جديد لمساحة واسعة من سوريا بالتزامن مع سيطرة السلطة الجديدة هناك على مقاليد الحكم في دمشق، لكن العداء سيستمر لاحقاً ناحية قوى المقاومة الإسلامية في المنطقة، في مسعى لإقناع القوى المعادية للأمة بأن هذه السلطة البديل الأنسب لأهوائهم وأجنداتهم في الشرق الأوسط وسوريا على وجه التحديد، لكي تتعمق حالة القبول بهم من قبل الأمريكان ومن في فلكهم مستقبلاً.
أمنيات غير مثمرة
مع استمرار التجاوزات الإسرائيلية في لبنان، تعزز الاعتقاد لدى الجميع بأن المقاومة تلفظ أنفاسها الأخيرة خصوصاً أن حزب الله مارس حالة من ضبط النفس أزعجت حتى الكثير من جماهير المقاومة في المنطقة والعالم، وبدأ البعض يمنون أنفسهم بأن الأمر قد حُسم وأن المقاومة إلى الزوال الحتمي وتحدث ممن تحدث مسؤولون إسرائيليون بأن المواجهة قد انتهت لصالحهم وأن حزب الله قد أصبح في خبر كان لكن ما لم يكن في الحسبان قد أتى لاحقاً، ولم تثمر تلك الأمنيات.
ما لم يكن في الحسبان
2 مارس 2026م، وفي ظل عدوان إسرائيلي لم يتوقف على لبنان منذ إعلان وقف إطلاق النار خلال معركة الإسناد التي خاضعها حزب الله إلى جانب غزة، وفي خضم حرب طاحنة تشهدها المنطقة أعقبت عدوانا إسرائيلياً أمريكيا مفاجئاً على إيران، استأنف حزب الله هجماته على إسرائيل واندلعت مواجهة كبرى، وتبادل الطرفان الضربات الصاروخية وشن العدو الإسرائيلي غارات مفرطة حصدت أرواح آلاف الأبرياء في مناطق وبلدات لبنانية عدة، لكن أياما من المواجهة أسقطت رهانات العرب والعجم، وفضحت العدو الظاهر والخائن الخفي ممن حسموا أمرهم سابقاً بأن المقاومة قد سقطت. وقال المخزون الكبير من صواريخ ومسيرات المقاومة اللبنانية كلمته، وكان الجميع في حالة ذهول بما في ذلك جمهور المقاومة ذاته، وتواصل المقاومة اللبنانية إلى يومنا هذا الاستبسال أمام كل محاولات الإخضاع التي تستخدم فيها القوة المفرطة من قبل العدو، لعله يفتح نافذة أمل جديدة والله محيط بهم.