من "مشروع الحرية" إلى منطق الصفقات.. تقلبات السياسة وازدواجية القرار الأمريكي تجاه منطقة الخليج
تشهد السياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج، في المرحلة الراهنة، حالة من التناقض الواضح بين الخطاب السياسي والممارسة الميدانية، وذلك في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد فوزه بالجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، إطلاق عملية "مشروع الحرية" لمرافقة السفن في الممرات البحرية الحيوية.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتزامن فيه تصريحات متضاربة بشأن طبيعة العلاقة مع إيران، فتُوصف المحادثات بأنها "إيجابية للغاية" وفي اللحظة نفسها يُرفض كل مقترحات طهران. هذا التناقض لا يعكس ذكاءً تفاوضياً، بل ارتجالاً أضعف مصداقية واشنطن وجعل حلفاء الخليج يتساءلون بمرارة: كيف نأمن على مصالحنا مع رئيس يحاور عدونا خلف ظهورنا؟ إنه ليس سؤالاً عن استراتيجية أمريكا، بل عن وجودها من الأساس.
د. نجوى حسين الخزان*
تناقض الخطاب وتآكل المصداقية
يعكس التباين بين وصف المحادثات مع إيران بأنها "إيجابية للغاية" وبين رفض المقترحات الإيرانية والتلويح بالتصعيد، حالة من الازدواجية في الخطاب السياسي الأمريكي. هذا النمط لا يقتصر على كونه أداة ضغط تفاوضي، بل يشير إلى غياب الاتساق الاستراتيجي. إنها ليست لعبة توازن، بل أسلوب "العصا والجزرة التي تحولت إلى عصا واحدة" يلوح بها ترامب بيمينه بينما يلوح بورقة بيضاء شماله. هذه الارتجالية هي ما تؤدي إلى إضعاف ثقة الفاعلين الدوليين في وضوح التوجهات الأمريكية، وتخلق بيئة من عدم اليقين لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء. فالخليج اليوم لم يعد أمام قوة عظمى، بل أمام "مهرج استراتيجي" يخلط بين البوكر والسياسة، والوحيد الذي يضحك أخيراً هو الزعيم الإيراني.
شماعة الحرية لإعادة إنتاج الهيمنة البحرية
تحت غطاء حماية الملاحة الدولية، تمثل عملية "مشروع الحرية" توجهًا نحو تكريس الحضور العسكري الأمريكي في أحد أهم الممرات الحيوية في العالم، وهو مضيق هرمز. ورغم الطابع الإنساني المعلن، إلا أن الخطوة تعكس أبعادًا استراتيجية أعمق وأكثر سخرية. إنه ليس مشروع حرية، بل مشروع "رسوم عبور أمريكية بالقوة". فالفرق واضح: حماية الملاحة هدف إنساني نبيل، لكن فرض معادلة "إما أن تمر السفن برضانا أو لا تمر أبدًا" هو ابتزاز بحري يليق بقرصان لا برئيس دولة. وبذلك، يتحول المفهوم الإنساني المزعوم من حماية الملاحة إلى ترسيخ الهيمنة الجيوسياسية، وتقليص دور الفاعلين الإقليميين في إدارة أمنهم البحري.
الاقتصاد كمحرك خفي للقرار
لا يمكن فصل هذا التحرك عن الضغوط الاقتصادية الداخلية في الولايات المتحدة، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة. القرار الأمريكي لا تحركه "استراتيجية" وطنية كبرى، بل الخوف من ارتفاع أسعار البنزين قبل انتخابات التجديد النصفي. ترامب في ولايته الثانية لا يزال يئن تحت وطأة وعوده الانتخابية؛ فكل هذا التصعيد في مضيق هرمز ليس إلا هلوسة انتخابية يريد من خلالها أن يقول للناخب الأمريكي: "انظروا، أنا أحمي جيبكم بصواريخي". الحقيقة أن الدافع الرئيسي هو الهروب من التداعيات الاقتصادية الداخلية لا أكثر، وبهذا يتحول الخليج إلى مجرد محطة وقود لسباق البقاء السياسي لترامب. ما يشير إلى أن القرار الأمريكي لا تحركه اعتبارات أمنية فقط، بل مزيج معقد من العوامل الاقتصادية والسياسية اللحظوية.
منطق صفقات مقابل مصالح استراتيجية
تكشف طريقة إدارة هذا الملف عن نمط يميل إلى تغليب منطق الصفقات قصيرة الأمد على حساب الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. فبدلاً من تبني سياسة خارجية مستقرة، يظهر أن إدارة الأزمات تُدار وفق حسابات آنية تسعى لتحقيق مكاسب سريعة، وكأن العالم أصبح سوق جمعة سوداء. تريد صفقة؟ اتفق مع إيران اليوم وأطعنها غداً. تحتاج إلى حلفاء؟ بع لهم الأمان بسعر مبالغ فيه. هذا التوجه يؤدي إلى تهميش الاعتبارات الجيوسياسية العميقة، وإضعاف القدرة على بناء تحالفات مستقرة، وتراجع صورة الولايات المتحدة كقوة يمكن التنبؤ بسلوكها، لتصبح مجرد "تاجر أسلحة متنقل" يضع لافتة على البيت الأبيض: "للبيع بأسعار تنافسية".
خطاب السلام بلغة قوة وتصعيد
"إنها عملية سلام إنسانية... ولكننا سنسحق أي تدخل". هذه العبارة تلخص سخرية القرن: سلام على طريقة ترامب، سلام يحمل رصاصة في جيب ثوبه. إنها رسالة "لا تخافوا... لكن ارتعبوا حقاً". ورغم تقديم العملية كـ"بادرة إنسانية"، فإن التحذير من التعامل الحازم مع أي تدخل يكشف عن استمرار الاعتماد على أدوات الردع العسكري. وهنا تتجلى المفارقة الأساسية: خطاب يروّج للسلام، مقابل سلاح ميداني يعزز احتمالات المواجهة. إنه يريد أن يكون "صانع السلام" وهو أكبر محرك للحروب في المنطقة.
تداعيات استراتيجية محتملة
في حال استمر هذا النهج، يمكن توقع عدد من النتائج الكارثية: تصاعد التوتر الإقليمي واحتمالات الاحتكاك العسكري التي قد تنفجر بالصدفة بسبب تغريدة في الثالثة فجراً. تعزيز مواقف القوى المناوئة للولايات المتحدة التي ستشعر أن التهديد الأمريكي مجرد كلام وليس فعلاً. تراجع الثقة الدولية في مصداقية السياسة الأمريكية إلى أدنى مستوياتها التاريخية. وتحول الخليج إلى ساحة تنافس مفتوح بين القوى الكبرى كالصين وروسيا وأمريكا التي فقدت بوصلة مصداقيتها.
انعكاسات مهمة على اليمن السعيد
في ظل هذه التطورات، تبرز انعكاسات مهمة على اليمن، ذلك البلد السعيد العريق الذي عانى رغم عظمته وجبروته من "حرية" التحالف الأمريكي المزيفة ومن "صفقات" الصمت الدولية. لقد حان وقت الوعي بالفرصة لا اليأس. أولاً، أي ارتفاع في أسعار الطاقة بسبب صخب ترامب في هرمز سيعني أعباء إضافية على اليمن، لكن اليمن السعيد اعتاد التحديات. ثانياً، الموقع الجغرافي الفريد لليمـن على باب المندب أصبح فجأة الورقة الرابحة في اللعبة كلها؛ فبينما ترامب يلهث خلف ناقلات النفط في هرمز، ينسى أن الممر الجنوبي للخليج – الذي تملك اليمن مفتاحه – هو الخنجر الحقيقي الذي يمكن أن يقلب الطاولة. ثالثاً، قد تؤدي هذه التطورات إلى إعادة توجيه الاهتمام الدولي، وتمثل فرصة كامنة لليمـن – في حال استقرار أوضاعه – للانتقال من موقع التأثر إلى موقع التأثير في معادلات الأمن البحري. باختصار حاد: من يملك باب المندب ويملك قراره، يملك عصب الخليج ويرعب البيت الأبيض.
مؤشرات وتوقعات مستقبلية
تشير المؤشرات إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة من التوازن الهش القائم على الردع المتبادل، في ظل استمرار التناقض بين الخطاب الأمريكي والممارسة العملية. على المدى القريب، ستستمر سياسة الجمع بين التفاوض والتصعيد، ما يبقي احتمالات التوتر قائمة دون حسم. أما على المدى المتوسط، فقد نشهد تدويلاً أوسع لأمن الممرات البحرية، وتراجعاً نسبياً في احتكار الولايات المتحدة لإدارة أمن الخليج، وصعود أدوار إقليمية ودولية بديلة. وبالنسبة لليمـن السعيد، فإن مستقبله سيتحدد وفق قدرته على إما البقاء في دائرة التأثر بالأزمات، أو التحول إلى فاعل جيوسياسي مستفيد من موقعه الاستراتيجي المرتبط بأمن باب المندب.
رأي تحليلي ختامي
تكشف هذه التطورات عن تحول في طبيعة السياسة الأمريكية، من الاعتماد على الاستراتيجيات المستقرة إلى إدارة الأزمات بأسلوب تكتيكي متقلب على طريقة "تيك توك": فيديوهات قصيرة صاخبة، غضب في الصباح، حب في المساء، صفقات في الظهيرة، ثم نسيان. وفي ظل تغليب منطق الصفقات والضغوط اللحظية، تتراجع القدرة على تحقيق توازن حقيقي بين القوة والمصداقية. يبقى السؤال الأخير لزعماء الخليج واليمن والعرب جميعاً: هل تريدون رجل صفقات يتاجر بأمنكم بثمن بخس؟ أم تريدون استراتيجياً حقيقياً يحترم مصالحكم؟ الخيار صعب، لأن الثاني لم يعد موجوداً في واشنطن منذ زمن طويل.
كما إن إدارة الملفات الجيوسياسية الحساسة بمنطق الصفقات قصيرة الأجل والمكاسب السريعة أمر يطرح تساؤلات جدية حول مدى توافق هذا النهج مع المصالح الأمريكية الاستراتيجية. فالدول لا تُدار بعقلية المكاسب السريعة في بيئات معقدة، بل برؤية متماسكة قادرة على تحقيق الاستقرار وهو ما يبدو غائباً في هذا السياق. ولذلك، على شعوب المنطقة ألا تراهن كثيراً على واشنطن، بل على قوتها الداخلية وذكائها الجيوسياسي. فمن يعتمد على ترامب في الأمان، فقد أمسك برمح من رمح.
* دكتوراه في الاقتصاد والعلوم السياسية