برعاية السفير الأمريكي واللجنة السعودية الخاصة: حوار إجباري شكلي ومسارات ونتائج معدة سلفاً في الرياض

بدءا من غزوة حضرموت إلى مؤتمر الرياض شهد مسار تطورات الوقائع والأحداث تحولات وتضارب سياسات متباينة ومتعددة ولم يكن ليخطر على بال المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات أن الأمر سيصل يوماً ما إلى حد الاستهداف الجوي السعودي لقواته،

برعاية السفير الأمريكي واللجنة السعودية الخاصة: حوار إجباري شكلي ومسارات ونتائج معدة سلفاً في الرياض

بالنظر لسنوات من التماهي السعودي مع العبث ومشاريع التفتيت وحالة اللادولة التي سادت محافظات ومناطق يمنية عدة، بل وإسهامها الواضح في إنهاك مؤسسات الدولة هناك بالعوز والعجز حتى الوصول إلى حافة الهاوية على كافة المستويات، لا سيما المعيشية والاقتصادية، والإسهام الكبير في انهيار الأوضاع على المستوى اليمني العام.. تفاصيل في السياق التالي :

وسيم عبدالله حليف

لم يكن ما يسمى المجلس الانتقالي يتوقع كذلك أن تتطور حالة الشجب السعودية لغزوة حضرموت في بدايتها سريعاً إلى ضربات جوية قاتلة على معسكرات سيطر عليها في سيئون ومناطق من حضرموت والمهرة، وقتل العشرات من عناصره فيها، الأمر الذي أحدث الصدمة المهولة والانهيار السريع، وزاد من حدة الانهيار التخلي الإماراتي السريع كذلك.
عقب ذلك شهد مسار تطور الوقائع والأحداث الدراماتيكي المتصاعد منذ غزوة حضرموت وحتى الدعوة لعقد مؤتمر الحوار الإجباري في الرياض، تضاربا وتباينا وتناقضا صارخا في السياسة السعودية التي غلب عليها التماهي والاستخفاف من مواقف ومطالب جميع الأدوات والمكونات الموالية لتحالف العدوان والاحتلال.

للانتقالي ضد العليمي
بات من الواضح جداً أن الحراك الذي شهدته وتشهده العاصمة السعودية الرياض بشأن القضية الجنوبية وغير ذلك يمضي وفق مسارين ، مسار أول تحاول الرياض من خلاله إيهام أصحاب مشروع الجنوب العربي أنهم ما يزال لديهم الفرصة للوصول للمبتغيات كافة من استعادة دولة إلى احتواء سعودي مالي بالشكل الذي كانت عليه الأمور عندما كانوا (الانتقالي على وجه التحديد) تحت الكفالة الإماراتية قبل أن تقذف بهم أبوظبي وبقواتهم إلى وسط النار وتغادر من حيث أتت.
وتبرز أهمية الإشارة هنا إلى أن الأمر الثابت والمتعارف عليه أن جل ما يهتم به هؤلاء هي المصالح الشخصية والمكاسب التي تعود عليهم وعلى عوائلهم بالنفع، أكثر منه الرغبة في الوصول لتحقيق حلم الدولة، وقد أثبت الزمن أنهم لا يكملون طريقاً بغير نتيجتين ، إما البيع والشراء أو الفشل لعدم ارتقاء مشاريعهم إلى مستوى ما يمكن الثبات عليه أو لأنهم لا يثبتون على موقف.
وقد تمثل هذا المسار السعودي الذي يمكن وصفه بمسار (للانتقالي ضد العليمي) في جلسات الحوار الجنوبي - الجنوبي المزعوم من حيث الشكل والمضمون، ورفع أعلام التشطير، وأمور أخرى كاستقطاب مزيد ممن ظلوا منذ اليوم الأول ينتقدون القيادات الانتقالية التي غادرت إلى الرياض، وما أن يصل أحدهم حتى يبحث له عن مبررات لتحول موقفه وانتقاله إلى الرياض وترك جماهير ساحة العروض التي هتفت باسمه أمس خلف ظهره.

للعليمي ضد الانتقالي
أما المسار الآخر الذي تمضي فيه الأمور ، وهو ما قد ترغب فيه الرياض أن يكون مرضياً لطرف العليمي والإصلاح وغيرهم، يتمثل فيما يبدو أنها تحركات سعودية مستمرة لإنهاك قوة الانتقالي وضمان تبديد قدرته ومن ورائه الإمارات على إحكام السيطرة على الأرض في عدد من محافظات الجنوب سيما عدن وما جاورها.
وفي هذا الإطار يستمر تناول الإعلام السعودي للإمارات والانتقالي بشكل أكثر حدة وانفعالية، إلا ما ندر من اللطافة الرسمية التي بدأت تشهدها تصريحات بن فرحان وزير الخارجية السعودي مؤخرا تعليقاً على بعض الأخبار المتداولة ورداً على بعض التساؤلات حول مستقبل العلاقة السعودية الإماراتية وغير ذلك. كل ذلك مما يحيي أملاً ما في نفوس هذه الأطراف باستمرار الرياض قدماً في فرضهم على الأرض بشكل عملي واضح وضمان تفوقهم على الانتقالي في مناطق سيطرته.
وكانت مصادر إعلامية متعددة قد تحدثت خلال الأيام القليلة الماضية أن الرياض قد أبلغت الجموع الجنوبية التي تقاطرت على الرياض لحضور هذا الحوار الذي أسمته (الجنوبي - الجنوبي) أن جلسات الحوار هذه قد تم تأجيلها لشهرين على ما يبدو، وبغض النظر عن صحة ذلك من عدمه، فإن الرياض لا تبدي جدية كاملة في أن تصل الأمور بهؤلاء إلى ما كانوا عليه أيام الوصاية الإماراتية التي مكنتهم من السيطرة على مجريات كل شيء في معظم المحافظات الجنوبية، وفي هذا طمأنة كبيرة للعليمي ومن على مركبه، مع التأكيد على أن الأمر لا يتجاوز مرحلة التحرك وفق ما يخدم مصالح الرياض حاضراً ومستقبلاً، ولا يوجد هناك ما يمكن اعتباره احتراماً لأي من طرفي الصراع الذين نتحدث عنهم هنا.

مسارات أخرى خفية
مسارات أخرى خفية لكل ما حصل ويحصل منذ غزوة حضرموت قد لا يجهلها البعض لكن لا يتحدث عنها ولا يعيها كثير من الناس، وهي ما قد يمكن اعتبارها مبالغات كبيرة في الحديث أو في التصور لما أصبحت عليه العلاقات السعودية الإماراتية من التدهور والشقاق، وهي كذلك بالفعل على ما يبدو، لكن ليس بالأمر القطعي الذي يؤكد عدم وجود ما يمكن أن نقول عنه تفاهمات مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين حول العديد من الأمور والخطوط التي تمضي وفقها بعض التحركات هنا وهناك، كالانسحاب الإماراتي السريع وغير المتأني من اليمن، خصوصاً من مناطق مثل عدن وما حولها، وبشكل جعل الأمر يبدو كما لو أن أبوظبي قد حسمت قرارها في التخلي عن المشهد اليمني بشكل نهائي، وقد يكون ذلك بعد تصاعد الخلاف الذي نعتبره بالفعل خلافاً حقيقياً وهو المتعلق بحضرموت والمهرة، ولا يمكن هنا أن نحصر الأمر في سبب أو سببين، لكن بكل تأكيد هناك أمور يمكن أن نقول عنها بأنها حدثت بشكل غير طبيعي، وأحداث تسارعت بصورة لافتة كذلك.

حكاية بعيدة عن كل ما يقال
قد يكون مما يلفت في سير الأحداث من غزوة حضرموت إلى مؤتمر الرياض عدم الالتفات السعودي إلى محافظة شبوة والاهتمام بمسألة إنهاء سيطرة أتباع الإمارات عليها (دفاع شبوة – مجاميع انتقالية)، الأمر الذي قد يكون مما حيّر أتباع العليمي والإصلاح، وهذا مما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن تحركات السعودية ترتبط بشكل وثيق بما قد يمس مصالحها بدرجة أساسية أو حتى بما قد يهدد أمنها، وأن الحكاية بعيدة كل البعد عن كل ما يقال ويُتردد عند البعض عن حرص المملكة على أمن واستقرار اليمن ووحدته وسلامة أراضيه، وإلا فلماذا لا تعتبر سيطرة الانتقالي فيها إلى اليوم تهديداً لليمن الذي تتحجج به الرياض عند الحاجة؟

مواقف وتحركات مضطربة
الاضطراب الذي تشهده المواقف والتحركات السعودية رغم تحقيقها إنجازاً قد يعتبر كبيراً بالنظر لسباق النفوذ والسيطرة الناعم بين الرياض وأبوظبي منذ العام 2015 تقريباً، وما كانت قد حققته الإمارات في هذا الجانب خلال تلك السنوات والخسارة التي مُنيت بها لاحقا كاضطراب تسبب في خلق اضطراب آخر يتمثل في مواقف الشارع العدني ومحافظات الجوار المتجسد تارة في ارتفاع الصوت الناقم على السعودية وما فعلته بهم وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال ظهور محتجين يدوسون صورة محمد بن سلمان في ترجمة عملية لهذا الغضب، والمتجسد تارة أخرى بالمقابل في ارتفاع الصوت المشيد بأدوار السعودية وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال ظهور العلم السعودي وصور بن سلمان محمولة على الأكتاف، وكل ذلك في ساحة واحدة (العروض) وفي فعاليتين متتاليتين، في حالة قد تبدو غريبة لكنها طبيعية بعض الشيء بالنظر لجملة الاضطرابات والتناقضات في المواقف وفي النوايا السعودية تجاه هذا الملف، وبالتالي تناقض حتى مواقف ونوايا المحتجين أنفسهم من يوم لآخر.

الصوت المنزعج الأعلى
رغم كل ذلك، إلا أن الصوت المنزعج من التحركات السعودية الأخيرة يظل الأعلى، خصوصاً في مناطق يافع والضالع وردفان حيث يتركز الألم، بالنظر لكون معظم من قُتلوا في الغارات السعودية على قوات الانتقالي في حضرموت والمهرة ينحدرون من تلك المناطق وفق شواهد مصدرها صفحات مشاهير السوشيال ميديا وأقارب لهؤلاء من أبناء تلك المناطق نعوهم سابقاً، فضلاً عن الألم بعد ما يمكن اعتباره تبدد الحلم الذي كان على وشك التحقق – على الأقل من وجهة نظرهم – بعد غزوة حضرموت التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لمشروع الانتقالي المدعوم من الإمارات.

‏تدخل أمريكي مباشر
في هذا كشفت قيادات جنوبية مؤخرا عن تدخل أمريكي مباشر يهدف إلى إلغاء حوار الرياض (الجنوبي - الجنوبي) الذي كان من المقرر عقده في السعودية.
وأفادت المصادر الجنوبية التي كانت قد دُعيت إلى الرياض للمشاركة في الحوار أن توجه إلغائه جاء بضغط من الولايات المتحدة، في إطار مساعٍ لاحتواء الخلافات المتصاعدة بين السعودية والإمارات حول إدارة الملف الجنوبي.
وبحسب هذه القيادات، ترى أبوظبي أن عقد مؤتمر الحوار على الأراضي السعودية يمثل محاولة من الرياض لفرض وصاية سياسية على الجنوب، وتوفير غطاء دولي لتحركاتها في هذا الملف، وهو ما قوبل برفض إماراتي صريح.
وفي السياق ذاته، شرعت السعودية في تسريح الوفود التي كانت قد استدعتها للمشاركة في المؤتمر، حيث جرى إبلاغهم بتأجيله إلى أجل غير مسمى، مع طرح خيار عقده لاحقًا في مدينة عدن.
وذكرت منصات إعلامية أن الرياض صرفت مبالغ مالية للوفود قبل مغادرتهم، بلغت نحو 50 ألف ريال سعودي للإعلاميين، وما يقارب 120 ألف ريال للسياسيين، إلى جانب إلغاء ترتيبات الإقامة الفندقية التي كانت قد أُعدّت لهم.
ولم تُحسم بعد دوافع التوجه السعودي الجديد ، وهل جاء استجابة مباشرة للضغوط الأمريكية أو في إطار محاولة التهدئة مع أبوظبي.

أحداث مجتمعة ووضوح أكثر
المتتبع لمسار هذه الأحداث مجتمعة، والمتابع للسياسة السعودية الثابتة تجاه اليمن، يدرك جيداً أن لا مخرج نهائي لتلك الأطراف من حالة الانقسام وعدم التوافق في مناطق تواجدهم وسيطرتهم مجتمعين، رغم الغلبة الأكيدة التي باتت واضحة الآن لصالح من يعتبرون أنفسهم حالياً أطرافاً يجري تمكينها على حساب أخرى، مع بقاء الوضع مرشحاً لمزيد من التقلبات في الموقف السعودي تجاه الجميع وفقاً لأولويات لا علاقة لها بمصالح هذه الأطراف كافة التي تثبت حقائق الواقع ارتهانها للمال وتغليب مصالحها الشخصية الأنانية الضيقة على مصلحة الوطن والمواطن وفي هذا السياق جاءت موجة الجدل الواسع الذي شهدته الأوساط الجنوبية مؤخرا بعد تداول اتهامات وجهها ناشطون للمشاركين في ما يُسمى بـ"الحوار الجنوبي - الجنوبي بالرياض) تفيد عن تلقيهم مبالغ مالية متفاوتة، وإقامات لعامين، وحسابات بنكية برواتب شهرية، مقابل تنفيذ أجندات سعودية.

صراع على التمثيل للعمالة
بالمقابل وفي مشهد يجسد الحقائق السابقة تتعمّق الخلافات بين القوى الموالية للنظام السعودي حول التمثيل داخل حكومة الارتزاق المرتقبة، في ظل مساعٍ تقودها الرياض لإعادة تدوير أدواتها القديمة إلى جانب قوى استقدمتها مؤخرًا من المعسكر الإماراتي.
وتكشف هذه الخلافات عن تنافس متصاعد بين ادوات ومكوّنات الارتزاق، حيث تحاول الأطراف المقرّبة من السعودية فرض حضور أوسع داخل التشكيلة الحكومية التي يُتوقّع الإعلان عنها قبل حلول شهر رمضان.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة العربي الجديد عن مصدر في حكومة الرياض المنحلة قوله إن الخلافات تجاوزت مسألة المحاصصة وتقاسم الحقائب الوزارية، لتتحول إلى صراع نفوذ بين أدوات التحالف على من يحظى بتمثيل السعودية داخل الحكومة الجديدة.
ويبرز ضمن هذا المشهد ما يُعرف بـ«المسار الحضرمي»، وهو توجّه مناطقي يطالب بزيادة تمثيل محافظة حضرموت استنادًا إلى مساحتها الجغرافية وثرواتها النفطية، وهو مسار يحظى بدعم الرياض ويتقاطع مع أجنداتها السابقة والمستجدة.
ويرى أنصار هذا التيار أن حضرموت تستحق ما لا يقل عن ثلث مقاعد الحكومة، باعتبارها محافظة نفطية تشكّل أكثر من ثلث مساحة اليمن، وترتفع هذه المطالب إلى النصف في حال احتساب محافظات شبوة والمهرة وسقطرى ضمن ما يُسمّى بالإقليم الشرقي.


طباعة