غارات ((الانتقام)) ومساعي استخدام الإرهاب لتبرير العدوان الأمريكي على الشرق والشمال السوري
يرزح الشمال والشرق السوري تحت وطأة شديدة من القصف الأمريكي المكثف والهجوم العسكري الواسع، كما يعاني الجنوب السوري بشكل يومي من القضم الصهيوني والاعتداء الاجرامي والتوغل البري المتواصل من قبل جيش الاحتلال، وسط صمت مطبق من قبل السلطات السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع "الجولاني"..
في التقرير التالي سنتناول تطورات الأوضاع في سوريا، التي شهدت مؤخراً هجوماً عسكريا واسعا شنته القوات الأمريكية على مناطق متفرقة في وسط وشمال وشرق سوريا.. فإلى التفاصيل:
موسى محمد حسن
شنت القوات الأمريكية مطلع الأسبوع الجاري، هجوما واسعا على مناطق عدة في وسط وشرق سوريا.
وأوضحت القيادة المركزية الأمريكية، السبت الماضي، إنها أطلقت أكثر من 100 قنبلة وصاروخ دقيق في ضربات مكثفة ضد تنظيم "داعش" في سوريا، وذلك ردا على الهجوم الذي استهدف قوات أمريكية في تدمر قبل أيام.
وأكدت القيادة المركزية أن مقاتلات من القوات المسلحة الأردنية شاركت في العملية، إلى جانب طائرات مقاتلة أمريكية ومروحيات هجومية ومدفعية ثقيلة، في هجوم مشترك لتقويض القدرات اللوجستية والعسكرية لتنظيم داعش.
استهداف أكثر من 70 موقعا
وقالت القيادة المركزية الأمريكية في بيان أن "الضربات استهدفت أكثر من 70 موقعا في مناطق متفرقة من وسط سوريا، شملت مخازن أسلحة، ومقرات قيادة، وبنية تحتية تستخدم لتنفيذ العمليات الإرهابية".
وأفادت قناة "الإخبارية" السورية نقلا عن مصادر محلية، أن طائرات التحالف الدولي شنت سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع تابعة لتنظيم "داعش" في مناطق متفرقة من شرق سوريا، أبرزها بادية معدان بريف الرقة، وبادية الحماد بريف دير الزور، إضافة إلى جبل العمور.
وأكدت المصادر أن الضربات ركزت على مواقع لتخزين الأسلحة ومقرات تستخدم كمنصات انطلاق لعمليات التنظيم في المنطقة.
عملية "عين النسر"
من جانبه قال وزير الحرب الأمريكي "بدأت القوات الأمريكية السبت، عملية "ضربة عين النسر" في سوريا للقضاء على مقاتلي داعش وبنيتهم التحتية ومواقع أسلحتهم، ردًا مباشرًا على الهجوم الذي استهدف القوات الأمريكية في 13 ديسمبر الجاري في تدمر.
وتابع "هذه ليست بداية حرب، بل هي إعلان انتقام"، مضيفا "لن تتردد الولايات المتحدة الأمريكية، بقيادة الرئيس ترامب، ولن تتراجع أبدًا عن الدفاع عن شعبها. وكما قلنا عقب الهجوم الوحشي مباشرة، إذا استهدفتم الأمريكيين -في أي مكان في العالم- فستقضون ما تبقى من حياتكم القصيرة المليئة بالقلق، وأنتم تعلمون أن الولايات المتحدة ستطاردكم وتجدكم وتقتلكم بلا رحمة".
وبالتزامن مع الضربة صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قائلا: "لقد وقّعتُ على الاعتراف بالجولان "إسرائيلية" كحق "إسرائيلي". لم يكن أحدٌ يتوقع أن يحدث ذلك"، مضيفا "ثم اكتشفتُ قيمتها -تريليونات الدولارات- فقلتُ: ربما كان عليّ أن أطلب منه شيئًا".
إدارة فوضى أم غارات "انتقام"
في أعقاب الهجوم الأخير الذي شنّه عناصر من داعش على القوات الأمريكية، والذي أسفر عن مقتل ثلاثة أمريكيين وإصابة ثلاثة آخرين، أعلن البيت الأبيض أنه سيشنّ غارات جوية على وجود هذا التنظيم الإرهابي في الأراضي السورية.
ووفقًا لتقارير إعلامية أمريكية، نفّذت طائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية سلسلة غارات على مقرات التنظيم في بادية معدان بريف الرقة، وبادية الحماد بريف دير الزور، ومرتفعات جبل الأمور صباح السبت الماضي.
إلى ذلك، أفادت شبكة الإخبارية السورية، نقلاً عن مصادر محلية، بأن الهجمات استهدفت بشكل رئيسي مستودعات أسلحة ومقرات يستخدمها تنظيم داعش كقواعد عملياتية في المنطقة.
وأوضحت المصادر أن القوات الأمريكية المتمركزة في قاعدة الشدادي جنوب الحسكة شاركت أيضاً في الهجمات، حيث أطلقت صواريخ وقنابل مضيئة بالإضافة إلى غارات جوية.
وأمر وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيت بتنفيذ العملية، التي أُطلق عليها اسم "عين الصقر"، والتي زعم أنها نُفذت "انتقاماً" للهجوم الأخير الذي نفذه احد عناصر تنظيم داعش على قوات أمريكية في مدينة تدمر.
وأدلى وزير الحرب الأمريكي بتصريحات تهديدية قائلاً: "هذه ليست بداية حرب، بل هي إعلان انتقام، ولن تتردد الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس ترامب، في الدفاع عن شعبها".
كما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) استخدام أكثر من 100 قنبلة وصاروخ موجه في هجمات مركزة وواسعة النطاق على مواقع "داعش" في سوريا.
فيما وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه الخطوة بأنها "رد حاسم" على مقتل عدد من الجنود الأمريكيين في سوريا، وزعم في تصريحات تهديدية أن الهدف من الهجمات هو "تجريد داعش من قدراته العسكرية ومنعه من تهديد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها".
وأعلنت سلطات الجولاني، التي نسقت سياساتها مع المصالح الأمريكية، في بيان: "إن وجود القوات الأمريكية والتحالف الدولي ضروري في الحرب ضد الإرهاب، وتدعو السلطات السورية الجديدة، الولايات المتحدة والتحالف الدولي إلى التعاون في مواجهة تنظيم داعش.
استراتيجية أمريكية متناقضة
وقد أثارت الهجمات الأمريكية المتكررة على المناطق الصحراوية السورية، بالتزامن مع تحركات تنظيم "داعش" تساؤلات جديدة حول أهداف واشنطن الحقيقية في شرق سوريا.
وكشفت الهجمات الأمريكية الأخيرة على مواقع تابعة لـ"داعش" في سوريا، في الوقت الذي زعمت فيه واشنطن استعدادها للانسحاب من سوريا وتسليم زمام الأمور للسلطات السورية الجديدة بقيادة الشرع (الجولاني)، عن الارتباك والتناقض في السياسات الأمريكية تجاه سوريا.
وتُظهر هذه التطورات أن الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية واضحة وثابتة أو متماسكة وطويلة الأمد لإدارة الأزمة السورية، وأن قراراتها تخضع بشكل أكبر للظروف الناشئة والضغوط الميدانية.
وفي الأشهر الأخيرة، سعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إرساء استقرار أمني نسبي في سوريا من خلال التوسط في اتفاق بين الجماعات الكردية والسلطات السورية الجديدة في الجولان لدمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، وكان الهدف الرئيسي من هذا النهج هو تمكين الولايات المتحدة من الانسحاب من سوريا دون تكبد تكاليف سياسية وأمنية، مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، إلا أن هذه الجهود الدبلوماسية باءت بالفشل بسبب تضارب مصالح الأطراف المختلفة، ورفضت الجماعات الكردية الموافقة على اتفاق دائم مع دمشق أو أنقرة.
أداة لتبرير اللتدخل الأمريكي
يعزز هذا التحول المفاجئ في الرواية الرسمية التساؤل عما إذا كان "داعش" قد عاد للظهور حقًا، أم إنه أصبح مجرد أداة لتبرير استمرار الوجود والتدخل الأمريكي في سوريا؟
وإذا كان ادعاء واشنطن بوجود "داعش" الفعلي في سوريا صحيحًا، فلماذا لم تتخذ أي إجراء فعال وعملي لمواجهة هذا التنظيم الإرهابي خلال العام الماضي؟
لذا، أثار صمت الولايات المتحدة وتقاعسها خلال هذه الفترة شكوكًا كثيرة حول حقيقة تهديد "داعش"، وكيف يُستغل سياسيًا.
كيف يُعقل أن تستمر جماعة، تُصنّفها الولايات المتحدة الأمريكية تهديدًا خطيرًا للأمن الإقليمي والعالمي، في أنشطتها لمدة عام كامل دون رد تحرك جاد من دمشق وواشنطن، بل انها تتمكن من التسلل إلى مواقع انسحاب الجنود الأمريكيين؟
تجلي التناقض بشكل أوضح
يتجلى التناقض الأمريكي بشكل أوضح عندما تُعلن واشنطن فجأةً عن تمكنها من تحديد واستهداف عشرات مخابئ "داعش" في مناطق متفرقة من سوريا خلال أيام معدودة، وهنا يبرز التساؤل: إذا كانت هذه المعلومات الاستخباراتية والقدرة العملياتية متوافرة منذ البداية، فلماذا لم تُستغل في الأشهر الأخيرة لمنع التنظيم من التنامي أو حتى من تهديد الجنود الأمريكيين؟
يشير هذا إلى وجود تناقضات هيكلية في السياسات الأمريكية تجاه سوريا وداعش، وهو تناقض خلق فجوة كبيرة بين الادعاءات الأمنية والأداء الميداني، لذا، يمكن القول إن ما يُسمى التحالف الدولي ضد "داعش"، والذي كان نشاطه استعراضياً طوال العقد الماضي، افتقر إلى الإرادة الحقيقية أو بالأصح لم يكن جادا في مواجهة ومحاربة تنظيم داعش الإرهابي.
يعزز هذا الوضع، الافتراض بأن "داعش" لا يظهر كـ"تهديد" إلا عندما تكون المصالح الأمريكية المباشرة، وخاصة حياة جنوده، في خطر، وإلا، فقد يصبح التنظيم أداةً لإدارة الأزمات، ولتبرير الوجود العسكري الأمريكي أو ممارسة ضغوط سياسية في المعادلة السورية، وهو نهج يُشكك أكثر في مصداقية ادعاءات واشنطن.