المساعدات الخليجية بين الغطاء الإنساني والاستعمار السياسي

المساعدات الخليجية بين الغطاء الإنساني والاستعمار السياسي

المساعدات الإماراتية والسعودية لم تعد اليوم مجرّد مبادرات إنسانية عابرة، بل تحوّلت إلى أدوات نفوذ واستعمار جديد يُمارس بغطاءٍ من الشعارات الخيرية. فالأنظمة التي تدّعي الحرص على الشعوب المنكوبة، هي ذاتها التي تُغرق هذه الشعوب بالدمار وتغذّي الصراعات الداخلية تحت لافتة “الدعم الإنساني”.

المأساة ليست فقط في السلاح الذي يخرج من صناديق المساعدات، بل في النية السياسية المضمرة التي تجعل من الكارثة الإنسانية سلّماً للهيمنة وتقويض إرادة الشعوب الحرة.
في السودان كما في جنوب اليمن، يُعاد المشهد نفسه: طائرات محمّلة تُعلن أنها تحمل الدواء والغذاء، لكنها في الحقيقة تحمل المال والسلاح والولاءات المصطنعة. في السودان، استُخدم الدعم الإماراتي لتغذية النزاع بين الجيش وقوات الدعم السريع، فحوّل البلاد إلى ميدان حربٍ بالوكالة تُدار فيها الدماء السودانية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية لجهاتٍ خارجية. وحين تتحدث الإمارات عن “مساعدة السودان”، فإنها في الحقيقة تساعد على تمزيقه؛ تشتري القيادات بالمال، وتغذي الانقسام القبلي، وتغطي على ذلك بخطابات ناعمة عن “الإغاثة” و”الاستقرار”.
وفي اليمن، المشهد أكثر وضوحاً وأشد قسوة. دخلت الإمارات والسعودية تحت شعار “تحرير اليمن” واستعادة الشرعية ومحاربة التمدد الفارسي، وهي أعذار واهية صنعتها أمريكا وإسرائيل خدمةً لمصالحهما في المنطقة وكسر إرادة الشعوب الحرة المناهضة للسياسة الأمريكية. دخلت لاستعادة الشرعية التي طردها الشعب اليمني لقطع الوصاية الأجنبية، وهو ما أزعج دويلة الإمارات والسعودية فشنّت حرباً على الشعب اليمني دامت تسع سنوات بحجة الشرعية و”دعم التنمية”. لكنها سرعان ما كشفت عن وجهها الحقيقي بإنشاء مليشيات موالية لها، والسيطرة على الموانئ والجزر، وإقامة قواعد عسكرية في سقطرى والمخا، وتحويل الأرض اليمنية إلى مخلبٍ لخدمة الأجندة الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية. فالمساعدات التي كان يُفترض أن تُنقذ الجائع والمريض، صارت تُستخدم لتسليح المرتزقة، وتثبيت أدوات الاحتلال، ومصادرة القرار الوطني، وكل ذلك تحت ستار “دعم الإعمار”، بينما الحقيقة أن الخراب هو ما يُبنى، والدماء هي ما تُنفق.
إن هذا النفاق الخليجي، وفي مقدمته الإماراتي والسعودي، ليس جديداً على ساحة الصراع العربي. فمنذ أن انكشفت حقيقة ولاء هذه الأنظمة للغرب والكيان الصهيوني، صار واضحاً أن كل درهم يُصرف ليس لخدمة الأمة، بل لحماية مصالح العدو. بدل أن تُوجّه هذه الأموال الطائلة إلى دعم المقاومة الفلسطينية التي تواجه أعتى آلة قتل في التاريخ الحديث، أو إلى مساندة المقاومة اللبنانية التي وقفت شامخة في وجه العدوان الإسرائيلي، تُهدر المليارات في تمويل الانقلابات، وإشعال الحروب، وشراء الذمم. والنتيجة أمةٌ تنزف من خاصرتها، بينما أموالها تُصرف في تقوية من يطعنها.
ولما كانت المقاومة اللبنانية تُترك تقاتل في جبهتها دون دعم عربي حقيقي، اختارت تلك الأنظمة الوقوف مع من يقتل أطفال غزة لا مع من يحميهم، ومع من يقصف بيروت لا مع من يدافع عنها. هذه هي حقيقة المساعدات الخليجية حين تُقرأ بعيونٍ حرة لا منوّمة بالإعلام المموّل، لأن من يرى بصفاء الوعي سيدرك أن الخطاب الإنساني الذي تتبناه هذه الأنظمة ليس سوى ستارٍ لتغطية تحالفها مع أعداء الأمة.
الإمارات والسعودية تشتريان اليوم مجداً زائفاً بأموالٍ مغموسةٍ في دماء العرب. تفتحان القنوات لتتحدثا عن التنمية والإعمار، بينما تنشران الموت والفتن. تصنعان في العلن مشاريع “النهضة”، وفي الخفاء تزرعان بذور التبعية والانقسام. تتحدثان عن السلام، بينما تطبّعان مع القتلة وتبرّران جرائم الكيان الصهيوني باسم “التحالفات الاستراتيجية”. هذا هو جوهر النفاق السياسي الذي أفرغ الخطاب العربي من معناه، وجعل المال أداةً للغدر لا وسيلةً للكرامة.
إن ما يفعله النظامان السعودي والإماراتي في المنطقة هو استكمالٌ لدورٍ مُرسمٍ لهما من قبل القوى الغربية، فهما الواجهة العربية لمشروعٍ صهيونيٍّ أمريكيٍّ يهدف إلى كسر إرادة الأمة وإفراغها من كل صوتٍ مقاوم. ولهذا لم يكن غريباً أن يتزامن تصعيد عدوانهما في اليمن والسودان مع الحرب على غزة، لأن المطلوب واحد: إلهاء الشعوب بصراعاتها الداخلية كي لا تلتفت إلى فلسطين، وتمزيق وحدة الصف كي لا تقوم للأمة قائمة. فحين تنشغل الخرطوم وعدن وصنعاء بمآسيها، يتفرّغ الكيان الصهيوني لإبادة غزة دون خوف من ردة فعل عربية.
وإذا كانت المساعدات في ظاهرها “كرماً”، فهي في حقيقتها سمٌّ مغلفٌ بالعسل. فالذي يُرسل الغذاء بيدٍ ويزرع الفتنة بالأخرى ليس متبرعاً بل مستعمراً، والذي يبني مستشفىً في مدينةٍ دمّرها قصفه ليس إنساناً بل منافقاً. هذه المعادلة لا يمكن أن تُخدع بها الشعوب طويلاً، فوعي الأمة بدأ يتشكل من جديد، والأقنعة تسقط تباعاً.
الشعوب باتت تُدرك أن الخطر الحقيقي ليس فقط من العدو الصهيوني، بل أيضاً من أولئك الذين فتحوا له الأبواب باسم التطبيع، ومن الذين خانوا فلسطين حين أغلقوا حدودهم بوجه المقاومة وفتحوا خزائنهم لشراء الصمت.
المفارقة أن هذه الأنظمة التي تسرف في تمويل المرتزقة، كانت قادرةً على تحويل وجه التاريخ لو أنها استثمرت تلك الثروات في بناء مشروعٍ عربيٍّ موحدٍ يواجه الاحتلال ويستعيد للأمة مكانتها. لكنهم اختاروا طريق الذل، فصاروا أدواتٍ بيد المحتلين، يُنفذون أوامرهم ويبررون جرائمهم. كل بندقيةٍ أُطلقت على عربيٍّ بريء، وكل فتنةٍ اشتعلت في مدينةٍ عربية، كانت بتمويلٍ مباشرٍ أو غير مباشر من تلك العواصم التي تدّعي “الأخوة”.
إن كشف هذا النفاق ليس مهمة المثقفين وحدهم، بل مسؤولية كل عربيٍّ يرى الحقيقة ولا يريد أن يكون شريكاً في الصمت. فالصمت أمام هذا الخراب خيانة، والتبرير له جريمة. وعلى الأمة أن تدرك أن معركتها ليست فقط في غزة أو في لبنان، بل في الوعي نفسه: أن تفهم أن كل "مساعدات" تأتي من أنظمةٍ خانت القدس، لن تكون إلا طعنةً جديدة في خاصرة العرب.
ستسقط الأقنعة كما سقطت من قبل أقنعة الأمم المتحدة والحريات الأمريكية ، لأن الزيف لا يدوم، ولأن الشعوب، مهما طال ليلها، ستنهض يوماً لتقول كلمتها: لن تُشترى كرامتنا بصندوق مساعداتٍ، ولن يُباع دمنا بدراهم النفط، وسنظل نقف مع فلسطين والمقاومة مهما خذلها المنافقون.


طباعة