أمانة الشهداء
في مناسبة ذكرى الشهداء من الجميل تكريم ذكراهم الخالدة واستحضار مناقبهم الملهمة ، والتعبير عن الامتنان لتضحاياتهم المقدسة عند أهل الأرض والسماء ، رغم عجز كل الكلمات عن إيفائهم حقهم فهم من قدموا العرق والدم والجهد والهم والهمة وشكلوا قلعة منيعة تزدهر بالأمان والإخاء
وهم جسور الفتح والتمكين وجسدوا أبهى صور الصدق والإحسان لشعبنا ليعيش الحياة الكريمة في أكرم معانيها وهم من اعتنقوا الإيمان بالقضية والموقف حد الذوبان بوعي مستصبر وإرادة راسخة وصدقوا ذلك الإيمان الراسخ ببذل أغلى وأثمن ما يملكونه دون تردد .
لكن الأمر الأهم هو المعرفة والإدراك والوعي والاستشعار الكامل لمسؤولية الإيفاء والأداء لأمانة الشهداء المتمثلة بالاهتمام بأسرهم وهي الأمانة التي تستوجب من الجميع الوفاء باستحقاقاتها وصون مكتسباتها الأخلاقية والقيمية والاستراتيجية.
وهنا لا بد من التذكير والحث على أداء الواجب الملزم على العامة والنخب والمؤسسات الرسمية في تقديم الرعاية والتكريم والوفاء المعنوي والمادي تجاه من تركه الشهداء خلفهم من أهل بالاهتمام الصادق بامتنان وعرفان.
إننا اليوم في اللحظة الحرجة والمصيرية لشعبنا وأمتنا على بُعد خطوة واحدة من موعد الخلاص والتمكين والفتح في مقابل لحظة من أخطر اللحظات الحساسة التي لا تقبل الخطأ أو التقصير أو التفريط الذي قد يؤدي ببساطة في أبسط الأحوال إلى كلف باهضة أو تراجع خطير ، وهذا يستوجب بسقف الضرورة الوقوف والتأمل في أمانة الشهداء للتقييم الذاتي الفردي والجماعي والقيام بمراجعات تعزز سلامة الضمير والوعي والبوصلة الأخلاقية والمنهجية والمعايير الانتاجية على المستوى الفرد والأسرة والمجتمعات المجاهدة وكل مسؤوليات العمل الرسمي والجهادي.
من المسؤوليات التي يجب الإيفاء بها تجاه تلك الأمانة أن تكون النخب العامة والرسمية هي الحارس الأمين والخادم المحسن لقيم العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية وتثمير الصمود والتضحية في تشييد التطلعات وإنجاز استحقاقات المصير ، وتقديم حركة القدوة الملهمة في تجسيد الإخاء والتآزر والتعاون والتكاتف الذي يعبر عن ضمير القضية والتسليم للمنهج والقيادة وحراسة المبادئ والانحياز للمعايير القرآنية في البناء وإدارة العلاقات والمواقف بعيدا عن المحابة وحب الذات والميل للعصبوية المسمومة أو الاستسلام للطموحات الأنانية الحمقى .. لا سيما ونحن نعيش لحظة آنية حساسة يزدهر فيها بيع الوهم والخداع والإيقاع والتضليل الاحترافي، ورؤوس الجميع فيها مطلوبة من أبسط مواطن في بلادنا إلى أعلى قيادي في هرم العمل المؤسسي أو هرم الوجاهة الاجتماعية .
مصارحة الحقائق أيضا من المسؤوليات التي تستوجب الإيفاء والنهوض بها تجاه أمانة الشهداء وذلك من خلال تجسيد التواصي ومقاربة المخاطر الداخلية والخارجية بواقعية والنقد بإنصاف وشجاعة وروحية تقدم العون والمساندة وتحفز على تحقيق النجاح الذي يخدم الجميع.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الإشارة إلى تلك الطموحات الأنانية أو الاستعلائية أو تلك المرتهنة خفية للعدو والتي تحاول التسلق على أكتاف التضحيات الكبيرة للشهداء لتنفيذ مهمة تفريغ المشروع القرآني والوطني الجامع والقضية العادلة من القيم والمبادئ والاستحقاقات الكبيرة بحجم الطموحات الكبيرة للشعب والأمة.
وعلى صعيد اللحظة الحرجة والحساسة فإن مثل هذه الطموحات والنتؤات تنتج ثغرات كارثية وتعطل محركات العمل وتخلق خواصر رخوة غير كفؤة، وعلى صعيد المستقبل تشكل تهديدا خطيرا بالانحراف عن مسار مسير النور ومشروع دولة العدالة .
ولذلك فإن أمر معالجتها ووضع حد لها يتطلب من المجتمع قبل القيادة حسا واعيا وحكيما وصارما ومتعاونا ومنسجما على مستوى العمل المجتمعي الجهادي والعمل المؤسسي فصمام أمان الموقف والبصيرة والإنتاجية الإبداعية والضامن لسلامة المآلات هو حيوية الإدراك والقدرة المستمرة على الملاحظة الحركية، والإيمان الواعي المتجدد والمواكب وبمستوى الرشد والنضج الذي يأتي في كل مرحلة على شكل اختبار متكرر لمدى الآهلية وفي صور متعددة يغذيها شعور العدو بالإغراء ، الذي يجعل فرق وأجنحة المجتمع المجاهد ومؤسسات العمل الرسمي عرضة للفرز والتمحيص والاختبار والتخيير بين الاستسلام للطموحات والوعود الأنانية الحمقى أو النهوض بمسؤوليات أداء أمانة الشهداء الضمانة الوحيدة لنيل الجميع تطلعاتهم المشروعة في الدارين ، والتي تتلخص حقائقها واستحقاقاتها وتتجه بوصلتها نحو خدمة الشعب والالتفاف خلف القائد والموقف والإخلاص للمنهج " القضية والمشروع".
رغم ذلك كله يبقى الأمل كبير ولا خوف ولا قلق ما دمنا نرى ونلاحظ ونحيي ونثمن ونشيد، ويرى الله ورسوله والشهداء إنجازات وأعمال المجاهدين الصالحين أفرادا ومسؤولين في كل المجالات والمستويات ، التي تزرع الأمل في حقول الألم وتشعل النور في قلب الظلمة وقد كان لدائرة التوجيه المعنوي قيادة وأفرادا تجربة ملحمية ملهمة في تجسيد التضامن والصمود والتماسك وديمومة الإنتاجية والنهوض من بين الرماد كطائر العنقاء بعد القصف الغادر.
وتبقى الخلاصة هي أن الله هو صاحب الوعد الحق المتحقق للمستضعفين أصحاب الحق والقضية وقد تجلت مصاديق حضور عونه وتأييده سبحانه مع شعبنا اليوم في الواقع المعاش والملموس طيلة عقد ونصف من الصمود والثبات والتمكين بمستوى الرشد الذي تحدى وكسر إرادة حلف الطغيان وسبل وأدوات جبروته.
وإذا كان شعبنا قد أثبت أنه صاحب الحق والحقائق الأخلاقية التي جسدها بالمواقف الشامخة وتنفسها بالألم والأمل ومارسها وتمرسها بمثابرة وعزيمة متوثبة وبصيرة منفتحة على الحكمة والعقلانية في مواجهة التحديات والظروف.
مع ذلك لابد من إدراك حقيقة ثابتة لا مساومة عليها هي أن وعده يتطلب الارتقاء إلى مستوى النضج والآهلية للنهوض بأمانة التمكين والفتح الذي لن يتحقق إلا بالنهوض بأمانة الشهداء والتضحيات في مسار الاختبار والمعركة ، فالله لا يسقط الطواغيت ليصنع فراعنة ، وحول ذلك ينصب كل اهتمام قائد الثورة في كل خطاب وكلمة ومحاضرة وإرشاد. (وقل اعملوا فسيرى الله أعمالكم ورسوله " حفظ الله شعبنا وقائده الرباني.