العلاقات اليمنية – الروسية : قراءة سوسيولوجية في التاريخ والواقع وآفاق المستقبل
تشكل العلاقات اليمنية–الروسية إحدى التجارب التاريخية اللافتة في تفاعلات العالم العربي مع القوى الكبرى. فهي علاقة تتجاوز الطابع الدبلوماسي لتشمل أبعادًا اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية.
من منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن النظر إلى هذه العلاقة باعتبارها نموذجًا للتفاعل المتبادل بين الدولة والمجتمع والثقافة في سياق السياسة الخارجية، إذ لم تكن العلاقات اليمنية–الروسية مجرد تبادل مصالح مادية، بل شكلت أداة لإعادة تشكيل البنى الفكرية والتعليمية والسياسية في اليمن، كما أسهمت في تشكيل صورة روسيا في الوعي اليمني .. تفاصيل في السياق التالي :-
أولا: الجذور التاريخية للعلاقات اليمنية–الروسية
تعود بدايات العلاقات بين اليمن وروسيا إلى العقد الثالث من القرن العشرين، عندما أقامت المملكة المتوكلية اليمنية أول اتصال رسمي مع الاتحاد السوفييتي عام 1927م (محمد، 1988، ص42). وقد جاء ذلك في سياق سعي روسيا آنذاك لتوسيع حضورها البحري في المحيط الهندي وخليج عدن، إدراكًا منها للأهمية الجيوستراتيجية لليمن في معادلة التجارة الدولية والممرات البحرية.. في عقد الستينات من القرن العشرين، تعززت العلاقات بشكل ملحوظ خصوصًا بعد ثورتي 26 سبتمبر 1962 في الشمال و14 أكتوبر 1963 في الجنوب. إذ وجدت موسكو في اليمن بيئة ملائمة لتوسيع نفوذها الإيديولوجي والسياسي في إطار الحرب الباردة. وفي المقابل، وجدت النخب اليمنية في الاتحاد السوفييتي شريكًا استراتيجيًا في مجالات التعليم والبنية التحتية والتنمية.
ساهمت موسكو في بناء عدد من المؤسسات التعليمية والصحية والعسكرية في اليمن الشمالي والجنوبي، كما استقبلت آلاف الطلاب اليمنيين في جامعاتها (وزارة التعليم العالي اليمنية، 1995، ص7)، ما أسهم في تكوين نخبة يمنية متأثرة بالثقافة واللغة الروسية، ساعدت لاحقًا في نقل الخبرة السوفييتية إلى الداخل اليمني.
ثانيا: التحول بعد الوحدة اليمنية (1990–2014)
مع إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م، أعادت موسكو النظر في سياستها تجاه صنعاء، خصوصًا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي (الهمداني، 1998، ص55). وقد سعت روسيا الاتحادية إلى الحفاظ على علاقاتها التاريخية، لكنها أعادت تعريفها وفق مصالحها الجديدة كدولة تسعى إلى البراغماتية والانفتاح الاقتصادي بدل الأيديولوجيا.
شهدت العلاقات الثنائية خلال التسعينيات تراجعًا نسبيًا بفعل التغيرات في أولويات روسيا الداخلية، لكنها حافظت على التواصل السياسي والبعثات التعليمية. كما أبدت موسكو موقفًا داعمًا لوحدة اليمن واستقراره خلال أزمة 1994م، وواصلت تقديم المنح الدراسية والمساعدات التقنية المحدودة (ريا نوفوستي، 2004).
من منظور سوسيولوجي، شكّل هذا التحول انتقالًا من التحالف الأيديولوجي إلى الشراكة المرنة، حيث حلت البراغماتية محل الخطاب الثوري. فقد استمرت النخب اليمنية المتخرجة من روسيا في لعب دور الوسيط الثقافي بين البلدين، محافظةً على ما يمكن تسميته بـ الرأسمال الرمزي الروسي داخل المجتمع اليمني.
ثالثا: الموقف الروسي من الأزمة اليمنية (2015–الوقت الراهن)
مع اندلاع الأزمة اليمنية عام 2015م، تبنت موسكو موقفًا اتسم بـ الحياد الإيجابي، إذ امتنعت عن الانحياز لأي طرف في النزاع، ودعت إلى حل سياسي شامل يحفظ وحدة اليمن وسيادته )وزارة الخارجية الروسية، 2016) وفي الوقت الذي التزمت فيه القوى الكبرى بسياسات التدخل أو التحالفات العسكرية، حافظت روسيا على مقاربة تقوم على البراغماتية السياسية والواقعية الدبلوماسية (كارنيغي–موسكو، 2017، ص21). هذا الموقف يعكس فهمًا روسيًا لطبيعة المجتمع اليمني المركّب، وحرصًا على تجنب الانخراط في النزاعات الطائفية والإقليمية، كما سعت موسكو إلى بناء قنوات اتصال مع مختلف القوى اليمنية، محافظةً على ما يمكن وصفه بـ الحياد الوظيفي.
رابعاً: الأبعاد السوسيولوجية للعلاقات اليمنية–الروسية
إن العلاقات بين البلدين لا يمكن اختزالها في بعدها السياسي، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والثقافية. فقد أسهم التعليم الروسي في تشكيل نخبة يمنية جديدة متعلمة ومثقفة، حملت معها قيم العدالة والمساواة والتنظيم الاجتماعي، وأدخلت إلى اليمن أفكارًا جديدة حول الإدارة والتخطيط والتنمية (الشيباني، 2002، ص33).
ومن منظور سوسيولوجي، شكّل هذا التفاعل شكلًا من أشكال التثاقف المتبادل، إذ اكتسبت روسيا معرفة أعمق بالثقافة العربية واليمنية، في حين استوعب اليمنيون نماذج التنظيم والتعليم الحديثة. هذا التبادل المعرفي خلق ما يمكن وصفه بـ الجسر الثقافي بين المجتمعين، الذي استمر أثره حتى اليوم من خلال العلاقات الأكاديمية والزواج المختلط والعلاقات الثقافية المستمرة (مقابلات خريجين يمنيين من الجامعات الروسية، 2022).
لقد أفرز التفاعل الاجتماعي والثقافي بين اليمنيين والروس شكلًا من أشكال التثاقف المتبادل، انعكس في أنماط التعليم والقيم الإدارية والوعي الاجتماعي، مما أسهم في إنتاج نخبة يمنية تمتلك رصيدًا معرفيًا وسياسيًا ذا طابع روسي، يمثل أحد أوجه الرأسمال الثقافي في المجتمع اليمني الحديث.
خامساً: آفاق التعاون في ظل التحولات الراهنة
تشهد البيئة الدولية الراهنة تحولات عميقة في توازنات القوى، خصوصًا مع صعود روسيا كفاعل محوري في الشرق الأوسط. في هذا السياق، تمتلك العلاقات اليمنية–الروسية فرصًا حقيقية للتطور في مجالات الطاقة، والتعاون الأمني، والبنية التحتية، والتعليم (دوغين، 2020، ص119)
تسعى روسيا اليوم إلى تعزيز حضورها في المياه الدافئة والبحر الأحمر، إدراكًا لأهمية الموقع الجغرافي لليمن في حركة التجارة العالمية (مركز الدراسات الاستراتيجية بصنعاء، 2023). ومن جهة أخرى، يمكن لليمن أن يستفيد من التجربة الروسية في مجالات إعادة الإعمار، ونقل التكنولوجيا، والتعليم الطبي والهندسي..إن المستقبل مرهون بقدرة الطرفين على بناء شراكة متوازنة قائمة على الواقعية السياسية والاحترام المتبادل للمصالح الوطنية. كما يمكن لروسيا أن تسهم في دعم مسارات السلام اليمني عبر الوساطة الدبلوماسية وتعزيز التنمية الاجتماعية، بما يرسخ حضورها الإقليمي دون الإضرار بمصالح اليمن الداخلية.
من منظور سوسيولوجي: إن إعادة بناء العلاقات اليمنية–الروسية لا تتوقف على المصالح المادية فقط، بل تتطلب أيضًا إعادة بناء الثقة المجتمعية والتواصل الثقافي بين الشعبين.
الخاتمة:
تؤكد الدراسة أن العلاقات اليمنية–الروسية تمثل نموذجًا لعلاقة تتقاطع فيها البنى السياسية مع الأبعاد الاجتماعية والثقافية، ما يجعلها مجالًا خصبًا للتحليل السوسيولوجي للعلاقات الدولية. فبينما تحوّل الطابع الأيديولوجي في الماضي إلى براغماتية واقعية في الحاضر، يظل التفاعل الإنساني والمعرفي بين الشعبين عنصرًا جوهريًا لبناء شراكة أكثر استدامة في المستقبل.
فقد أسهمت التجربة الروسية في تشكيل وعي اجتماعي جديد في اليمن، بينما منحت اليمن روسيا نافذةً على العالم العربي والإسلامي. ويمكن القول إن البعد الإنساني والثقافي للعلاقات يشكل رصيدًا استراتيجيًا يمكن البناء عليه في المستقبل لدعم السلام والاستقرار في اليمن والمنطقة.
*باحث في علم الاجتماع السياسي