نهب الآثار .. جريمة العصر الهادفة لسلب ذاكرة وروح الوطن
في الوقت الذي ينزف فيه اليمن دما وجوعا وخرابا يرتكب الأعداء جرائم نهب ذاكرته أيضا حجرا حجرا ورمزا رمزا على مرأى ومسمع من العالم وتباع آثار سبأ وحمير وقتبان في المزادات العالمية كما تباع التحف الفاخرة ويعامل تاريخ هذا البلد العريق كسلعة تقدر بالدولار لا بالقيمة الحضارية.
ذاكرة سبأ تعرض للبيع في مزاد علني
في هذا السياق وقبل أيام كشف الباحث اليمني عبدالله محسن عن فضيحة جديدة هي فضيحة الاستعداد لعرض تمثال لرأس امراة سبئية يعتقد أنها أميرة من مملكة سبأ للبيع في مزاد علني بالعاصمة النمساوية فيينا خلال شهر نوفمبر القادم.
قطعة من المرمر نحتت قبل ألفي عام تعرض اليوم أمام المشترين وكأنها غرض ديكور بينما هي في الأصل شاهد على حضارة حكمت طرق البخور والتجارة في العالم القديم لعقود من الزمن وهذا الرأس الذي كان يوما يرمز إلى الجمال والهيبة والعراقة اليمنية أصبح اليوم رمزا للخذلان والسطو المنظم على ذاكرة وطن .. إنها ليست قطعة حجر بل جزءا من هوية تسلب وتغترب في قاعات المزادات الأوروبية .
في مزاد فيينا المرتقب في 21 نوفمبر 2025م ستعرض ثلاث قطع يمنية نادرة من بينها رأس الأميرة السبئية المذكور .. هذه القطعة ليست مجرد قطعة فنية منحوتة بل جزءا من إرث مملكة سبأ التي حكمت طريق البخور وربطت جنوب الجزيرة بالعالم القديم.
إنها قطعة ناطقة بتاريخ موغل في القدم لكنها اليوم تعرض كسلعة تجارية في صالة أوروبية أنيقة أمام من لا يعرفون أن هذه المنحوتة تنتمي إلى أرض ما زالت تنزف وتقاتل من أجل البقاء.
تجار وشبكات تهريب دولية
أعلنت أجهزة الأمن في مطار صنعاء مؤخرا إحباط محاولة تهريب قطعتين أثريتين على متن رحلة أممية كان أحد موظفي الأمن المتحدة يحاول تمريرهما إلى خارج البلاد .. لكن ما خفي كان أعظم .. آلاف القطع تهرب سنويا من المحافظات اليمنية عبر تجار الآثار وشبكات دولية متخصصة لتستقر في صالات العرض الخاصة أو في متاحف كبرى تبرر سرقتها بشهادات ملكية مزورة .
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من عشرة آلاف قطعة أثرية يمنية غادرت البلاد منذ اندلاع العدوان عام 2015م.. إنها أكبر عملية نزيف ثقافي يشهدها اليمن في تاريخه الحديث.
مصادر متخصصة في مراقبة تهريب الآثار اليمنية تؤكد أن هناك شبكات منظمة تمتد من مأرب وتعز إلى جيبوتي وأثيوبيا وصولا إلى أوروبا ويتولى الوسطاء نقل القطع الأثرية عبر قنوات غير شرعية بغطاء إنساني أو عبر صفقات تبادل خفية بين تجار معادن وسلاح وهكذا يتحول التاريخ اليمني إلى سلعة للبيع في سوق الظلام وتتحول ذاكرة الوطن إلى غنيمة .
متاحف الغرب شريكة في الجريمة
العار لا يقع على المهربين وحدهم بل أيضا على المتاحف الغربية التي تتلقى هذه القطع وتعرضها بفخر تحت لافتة من مجموعة خاصة في تجاهل متعمد لأصلها غير الشرعي وكيف يمكن لمتحف مثل اللوفر أو المتروبوليتان أن يشتري أو يعرض آثارا يعلم أنها خرجت من بلد غارق في الحرب وأنها مسروقة .. إنها سرقة بثوب قانوني واغتيال للثقافة تحت شعار الاقتناء الفني.
صرخة في وجه الصمت الدولي
اليمن لا يحتاج إلى شفقة بل إلى عدالة ثقافية تجرم المزادات التي تتاجر بتراث الشعوب يجب على اليونسكو والأمم المتحدة أن تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية في تتبع القطع اليمنية المنهوبة وإلزام الدول بإعادتها إلى موطنها الأصلي.. فكل قطعة تنهب من تراب اليمن هي رصاصة في صدر التاريخ وكل تمثال يباع في فيينا أو باريس هو جرح جديد في ذاكرة الإنسانية.. وحين يسرق الماضي يغتال المستقبل والآثار ليست حجارة صامتة بل ذاكرة تتكلم وحين تسرق الذاكرة يموت الوطن مرتين مرة بالرصاص ومرة بالنسيان .. وما لم يتحرك الضمير العالمي سيبقى رأس الأميرة السبئية في فيينا شاهدا على خيانة العالم لحضارة أنارت التاريخ ذات يوم.
*مدير المتحف الحربي