الوعي الوطني .. درع الحماية وسلاح التحرير
لم يعد خافياً على أحد أن الأعداء، وفي مقدمتهم أمريكا وإسرائيل وأدواتهم الإقليمية، يدركون أن الشعوب الواعية هي الحصن الأول في مواجهة مشاريعهم التدميرية، وأن الجبهة الداخلية المتماسكة تمثل السلاح الأقوى الذي يعجز عن اختراقه كل ما يملكه العدو من إمكانات إعلامية ومالية وسياسية.
ومن هنا يتركز هدفهم اليوم في ضرب هذا الوعي وتشويه المفاهيم الوطنية وزرع بذور الفتنة والانقسام بين أبناء الوطن الواحد، لأن تمزيق النسيج الاجتماعي هو المدخل الأخطر لاحتلال الأوطان والسيطرة على قرارها السياسي والاقتصادي.
الوعي الوطني ليس شعارات ترفع في المناسبات ولا كلمات عابرة في الخطب، بل هو فهم عميق لطبيعة الصراع ومعرفة دقيقة للعدو وأدواته وأساليبه. إنه وعي يستند إلى التاريخ والتجربة ويستمد قوته من الإيمان بعدالة القضية ومن مسؤولية كل فرد تجاه وطنه. الأعداء يعلمون أنهم لا يستطيعون كسر إرادة الشعوب بالقوة العسكرية وحدها، فكان اللجوء إلى الحروب الناعمة التي تستهدف العقول قبل القلوب، وتعمل على تفكيك الروابط الدينية والقبلية والاجتماعية التي تمثل أساس الصمود. يسعون لتحويل أبناء الوطن الواحد إلى جماعات متناحرة، لأن التفرقة داخلياً أخطر سلاح يمكن أن يُستخدم ضد الأمة.
ومن أخطر أساليب الاستهداف تلك استخدام أمريكا وإسرائيل، بالتنسيق مع بعض المنظمات الإنسانية، كواجهة لجمع المعلومات الاستخباراتية لصالح الموساد الإسرائيلي وأجهزة استخبارات غربية أخرى. فبدلاً من أن تكون هذه المنظمات منصات للخير والمساعدة، جُند بعض موظفيها لمراقبة التحركات المدنية والعسكرية وجمع المعلومات الحساسة، مستغلين ثقة الناس والمجتمع المحلي في الأطر الإنسانية. هذا الاستخدام المضلل يوضح مدى تنوع ودهاء أساليب العدوان، حيث لا يقتصر تهديده على القوة العسكرية أو الحصار الاقتصادي، بل يشمل النفوس والعقول وحتى جهود الإغاثة، مما يفرض على الشعب أن يكون أكثر وعياً وتمييزاً بين الدعم الحقيقي وأدوات التجسس.
ولذلك فإن وعي الشعب اليمني بمؤامرات العدو وخططه لاستهداف وحدة الصف وتماسك الجبهة الداخلية يمكن أن يتحول إلى طاقة ثورية هائلة تقود المعركة نحو التحرير الكامل. الوعي هنا ليس موقفاً ذهنياً فحسب، بل سلوك عملي يُترجم برفض مشاريع الاجتياح والاحتلال وبالصمود أمام محاولات الاختراق الاقتصادي والإعلامي التي تهدف إلى إفراغ الروح الوطنية من مضمونها المقاوم. عندما يصبح الوعي سائداً بين الناس، يتحول كل فرد إلى حصن منيع يدافع عن وطنه، وتتحول كل قبيلة ومدينة إلى نقاط صمود تذود عن الأرض والكرامة، ويصبح كل صوت إعلامي صادراً من وطن حر طلقة في وجه التضليل والخيانة.
ولم يكن العدوان الذي استهدف أجزاء من أرض اليمن يوماً هدفه الاستقرار أو التنمية، بل السيطرة على موقعنا الاستراتيجي ونهب ثرواتنا والتحكم في قراراتنا السيادية. وخطورة هذا المشروع تكمن في تنسيقه مع قوى إقليمية ودولية ترى في اليمن مقاومة تشكل تهديداً لمصالحها. لذلك فإن مواجهة هذا المشروع تتطلب وعياً وطنياً شاملاً يربط بين معركة تحرير الأرض وبين معركة الأمة الأكبر ضد مشاريع الاحتلال والهيمنة، وهو ما يجعل من الوعي الوطني خط الدفاع الأول عن الوطن.
ولقد أثبت الشعب اليمني بقيادة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي أن الوعي الوطني هو السلاح الحقيقي الذي أفشل محاولات الاختراق وحافظ على تماسك الجبهة الداخلية رغم كل الضغوط. حينما حاول الأعداء زرع الفتن بين القبائل والمناطق والتيارات السياسية، كان وعي الناس وثقتهم بقيادتهم كفيلاً بإسقاط تلك المخططات، وتحويلها إلى فرص لتعزيز الصمود الشعبي والارتباط بالقضية الكبرى للأمة. هذا الوعي المتراكم جعل اليمن نموذجاً فريداً في الصمود والتحدي ومصدراً للإلهام للشعوب التي تقاوم العدوان في كل مكان.
وبالتالي فإن مسؤولية الحفاظ على الوحدة ليست عبئاً على جهة واحدة أو مؤسسة محددة، بل هي واجب ديني ووطني يقع على عاتق كل فرد ومؤسسة ومكون اجتماعي. تماسك الجبهة الداخلية هو أساس النصر في كل الميادين؛ وعندما يتسلل الضعف إلى الداخل، تسقط كل الحصون مهما بدت قوية. لذلك فإن الحرب الإعلامية والنفسية التي يقودها العدو لا تقل خطورة عن القصف العسكري، لأنها تستهدف القناعات وتشرك في ساحة المعركة العائلات والمجتمعات عبر نشر الخوف والشك واليأس. ومواجهتها تتطلب وعياً مستنيراً قادراً على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين المصلحة الوطنية والخيانة.
وفي زمن كثرت فيه أدوات التضليل عبر شبكات التواصل ووسائط الإعلام الممول من الخارج، يصبح الوعي الوطني ضرورة وجودية وليست رفاهية فكرية، لأنه الضمانة لبقاء الوطن وكرامة الأمة. ومن خلال هذا الوعي يستطيع الشعب اليمني أن يواصل طريقه بثبات نحو تحرير كل شبر من أرضه المحتلة، وأن يظل سنداً حقيقياً للمقاومة في فلسطين ولبنان، ومشاركاً فاعلاً في صناعة مستقبل عربي حر ومستقل بعيداً عن هيمنة القوى الأجنبية. لقد فشل العدو في كسر إرادتنا بالقوة، وسيفشل أيضاً في إخضاع وعي الأمة، لأن المعركة معركة هوية وكرامة ووجود، ووعينا هو السلاح الذي لا يُقهر به سننتصر.