خطاب الحسم وملامح المرحلة الجديدة !
لم يكن خطاب فخامة رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، المشير مهدي المشاط، في الذكرى الثانية والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر، مجرد حديث استذكاري لتاريخ مضى، بل كان وثيقة سياسية وعسكرية تحمل ملامح مرحلة جديدة،
وتؤسس لتحول استراتيجي في معادلات القوة على مستوى المنطقة، بعد أن غدت اليمن اليوم فاعلا إقليميا مؤثرا يعيد رسم المشهد الإقليمي من موقع القوة والمبادرة، لا من موقع التابع أو المفعول به.
جاء خطاب الرئيس المشاط في توقيت حساس، يكتب فيه الجيش اليمني معادلة ردع جديدة في إطار معركة الإسناد لأبناء غزة، حيث أثبتت القوات المسلحة اليمنية قدرات نوعية غير مسبوقة في تاريخ المنطقة، وأظهرت أن إرادة اليمنيين لم تعد قابلة للانكسار أو الاحتواء.
من هذا المنطلق، لم يكن حديث الرئيس عن إنهاء العدوان والحصار مجرد مطلب إنساني، بل شرط سيادي لا مساومة عليه، بعد أن أكد أن زمن خفض التصعيد قد ولى، وأن المرحلة الجديدة عنوانها إنهاء العدوان ورفع الحصار وخروج الاحتلال.
لقد مثّل خطاب الرئيس نقلة نوعية في الرؤية السياسية اليمنية، فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الهدنة الهشة والمراوغات السعودية، جاء خطاب الحسم والوضوح ليضع النقاط على الحروف، تحدث الرئيس حدث بلسان من يمتلك قوة الردع، لا لغة الرجاء، وأعاد تعريف السلام باعتباره سلام الندّ للندّ، لا سلام التابع للمتبوع.
بل وأكد بوضوح أن استمرار العدوان أو تأخير إنهائه ليس سوى خدمة مباشرة لـ“إسرائيل”، في إشارة ذكية تربط خيوط الحرب على اليمن بالمصالح الصهيونية في البحر الأحمر والممرات البحرية، وهو ما يضع النظام السعودي أمام اختبار حقيقي لمصداقية تحولاته المعلنة تجاه القضية الفلسطينية.
ولم يكتفِ الرئيس المشاط بالتوصيف، بل كشف وجه المؤامرة الجديدة التي تدار ضد اليمن من الرياض ولندن، تحت عنوان الأمن البحري، وهو في حقيقته مشروع لخدمة الملاحة الصهيونية وتطويق النفوذ اليمني في البحر الأحمر وخليج عدن، لاسيما عقب إنشاء مليشيات متطرفة وتجميع عناصر إرهابية في الجنوب ليس سوى استمرار لنهج الفوضى الموجهة، ومحاولة بائسة لتفخيخ الداخل اليمني، بعد أن فشلت كل محاولات العدوان العسكري المباشر على اليمن.
إن ما يميز خطاب المشير المشاط أنه لم يكن خطابا بلاغيا أو إنشائيا، بل تعبيرا دقيقا عن موازين قوى جديدة، فرضها صمود الشعب اليمني وتطور قدراته العسكرية، خصوصا بعد أن كشف الجيش اليمني عن منظومات صاروخية متطورة، بينها الفرط صوتية والطيران المسيّر بعيد المدى، التي جعلت من اليمن قوة ردع إقليمية قادرة على فرض معادلة الأمن بالأمن، والرد بالرد.
منذ توقيع الهدنة، انتقل اليمن من موقع الدفاع عن سيادته، إلى موقع التأثير في الصراع الإقليمي الأشمل، نصرة للقضية الفلسطينية خلال مواجهة الجرائم الكيان الصهيوني في غزة، ومنذ انطلاق معركة طوفان الأقصى، في أكتوبر 2023م، برزت اليمن كصوت الأمة وسيفها المشرف، بعدما كانت القدرات العسكرية اليمنية معدّة أصلا لردع العدوان، فتحولت إلى قوة نصرة ومساندة، منحت اليمن شرعية عربية وإسلامية غير مسبوقة، وكسرت احتكار بعض الأنظمة لصوت الحق في مواجهة الاحتلال.
خطاب الرئيس المشاط، في جوهره، لم يكن تحذيرا للسعودية فحسب، بل إقامة الحجة التاريخية والسياسية، فالرجل تحدث من موقع المنتصر الذي يدرك أن خصومه يتصرفون بغير عقلانية، ويراهنون على الوقت والمناورة، لكنه في الوقت نفسه، رسم الخط الفاصل بين خيارين لا ثالث لهما، تكمن بخيار السلام الحقيقي، وذلك في إنهاء العدوان والحصار، والانخراط في تسوية سياسية عادلة تحفظ سيادة اليمن واستقلاله، وتعيد تعريف العلاقات اليمنية السعودية على أساس الندية والاحترام المتبادل، وكذلك خيار التصعيد والمغامرة، التي تراهن السعودية وجارتها على أدوات الارتزاق، وهو ما سيقود الرياض إلى مواجهة مباشرة مع القدرات اليمنية القادرة اليوم على نقل المعركة إلى العمق السعودي، وضرب شرايين النفط وأمن البحر الأحمر، الذي يبدو بأن الرياض لم تستوعب الدرس جيدا.
يبدو أن خطاب الرئيس المشاط هو بيان لمرحلة جديدة، وإعلان نهاية زمن التبعية، وبداية عهد الندية والسيادة الوطنية الكاملة، لقد أراد أن يقول بوضوح للعالم، الطريق إلى أي تسوية إقليمية، لا يمر حول صنعاء، بل يجب أن يمر من صنعاء، فخطاب الحسم هذا، لم يكن مجرد كلمات، بل إرادة أمة انتصرت للكرامة، وفرضت معادلةً جديدة على العالم بأسره.