اليمن وغزة.. ضحايا تحالف الأشد عداوة والأشد نفاقًا

اليمن وغزة.. ضحايا تحالف الأشد عداوة والأشد نفاقًا

لم تعد حقيقة العداء بين اليهود والأعراب بحاجة إلى برهان جديد أو إثباتات، فقد كشفها القرآن الكريم منذ قرون قبل أن تكشفها دماء غزة وأشلاء أطفال ونساء اليمن. قال الله تعالى: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ...» [المائدة: 82]، وقال سبحانه: «الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا...» [التوبة: 97].

هذه ليست مجرد أوصاف لغوية، بل تشخيص رباني لطبيعة معركة ممتدة منذ فجر الرسالة وحتى يومنا هذا.
ما نشهده اليوم في اليمن وغزة هو التجسيد العملي لهذه الحقيقة الخالدة. فمنذ عشر سنوات واليمن يرزح تحت عدوان وحصار خانق أرادوا به تركيعه وتجويعه وإخضاعه للوصاية الأجنبية، وفي الوقت نفسه تُذبح غزة منذ عقود بسيف الاحتلال وحصاره، حتى صار أطفالها ينامون على أصوات القنابل ويستيقظون على جوع يفتك بأجسادهم النحيلة. المشهد واحد، والعدو واحد، والتحالف الذي يسفك الدماء هو ذاته الذي وصفه الله تعالى:«وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ» [الأنفال: 73].
في غزة، القصف الصهيوني لا ينقطع، والمجازر تُرتكب بدم بارد، لكن هذه الجرائم ما كانت لتستمر لولا تواطؤ عربي رسمي أغلق معابر الحياة وفتح معابر الموت، ومنع الغذاء والدواء بينما ضخّ الأموال وصفقات التطبيع في شرايين العدو. وفي اليمن، الطائرات التي قصفت المدن والقرى لسنوات لم تُحلّق وحدها، بل كان وراءها تمويل أعرابي ودعم أمريكي وصمت دولي، اجتمعوا جميعًا على هدف واحد: إسكات كل صوت يهتف بالحرية والاستقلال.
لقد انكشف القناع، ولم يعد أحد بحاجة إلى المواربة أو التضليل الإعلامي. فالقاتل ليس فقط من يضغط على الزناد، بل من يمد العدو بالمال والسلاح والغطاء السياسي. وما يحدث في غزة واليمن يكشف أن من يقف في خندق التبعية والتطبيع هو جزء أصيل من آلة القتل والدمار. قال الله تعالى:«وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ» [المائدة: 51].
في غزة، رأينا كيف تحولت بعض الأنظمة العربية إلى حراس لحدود الكيان، تمنع الغذاء عن أطفالها وتغلق الأبواب في وجه جرحاها. وفي اليمن، رأينا كيف تسابق الأعراب في صفقات السلاح، يموّلون بها حربًا عبثية هدفها إخماد أنفاس شعب أراد فقط أن يكون سيد قراره. المشهد بين غزة وصنعاء واحد: كل من قال "لا" للاحتلال والوصاية صار هدفًا في مرمى هذا التحالف الجبان.
اليوم لم يعد في الساحة مجال للحياد أو التلون. فالمعركة واضحة، والحدود بين الحق والباطل مرسومة بالدم. إما أن تكون الأمة مع غزة المحاصرة واليمن الصامد، أو تكون مع المشروع الأمريكي الصهيوني الأعرابي المتآمر. من يختبئ خلف الصمت شريك، ومن يبرر خائن، ومن يزعم الحياد جبان. قال الله تعالى:«إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ» [الأنفال: 73].
لقد سقطت كل الأقنعة، وانكشفت كل الأوراق، وبات واضحًا أن الأشد عداوة والأشد كفرًا ونفاقًا قد اصطفوا جميعًا في خندق واحد ضد هذه الأمة. من تل أبيب إلى الرياض وأبوظبي، ومن واشنطن إلى العواصم المطبّعة، مشروع واحد يعمل على تفريغ الأمة من قيمها ومبادئها، وإحلال الذل مكان الكرامة، والوصاية مكان الحرية.
لكن وسط كل هذا الخراب، تبقى هناك جبهات صامدة وأصوات حرة ترفض الخضوع. في غزة، رجال المقاومة يكتبون بالدم والعرق أن هذا الكيان أوهن من بيت العنكبوت. وفي اليمن، شعب محاصر يصرخ بوجه الطغيان: لن نركع. وكما قال الله تعالى:«كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ» [البقرة: 249].
إن ما يجمع اليمن وغزة ليس الألم فقط، بل وحدة المصير ووحدة العدو. كلاهما يدفع ثمن تمسكه بالحرية والاستقلال، وكلاهما يقف شاهدًا على خيانة من باعوا القضية وتواطؤ من ادّعوا الانتماء للأمة. واليوم، لم يعد في الأمر التباس: إما أن تكون الأمة مع غزة وصمودها، ومع اليمن وثباته، أو تكون في صف الأشد عداوة والأشد نفاقًا.
إنها لحظة فاصلة، لن يرحم فيها التاريخ المتخاذلين، ولن يغفر فيها الدم الطاهر للخائنين. ومع ذلك، يبقى الأمل بالله وعدًا صادقًا لا يتغير:«إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ» [محمد: 7].
فالمعركة مستمرة، وصوت الحق لن يخفت، والكرامة ستبقى أعلى من كل طائراتهم وصواريخهم، إلى أن يتحقق وعد الله بنصره للمستضعفين:«وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعَفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ» [القصص: 5].


طباعة