أقرب جغرافيًا .. أبعد ضميرًا: بين خيانة الأمتار ووفاء الكيلومترات
في القاهرة، تلك المدينة التي تفصلها أمتار قليلة عن غزة المحاصرة، يرسم الزمن مشهدًا مروعًا يصعب استيعابه في زمن يطالبنا فيه الضمير الإنساني بالتكاتف والوقوف مع الضحايا. أضواء الحفلات تتلألأ فوق أنقاض الألم، وصخب الأغاني يُخنق صرخات الأمهات الثكالى، كأن غزة ليست سوى كوكب آخر لا ينتمي إليه من يرقص بعيدًا عن دمائها.
هذا المشهد ليس غيابًا للضمير فحسب، بل هو انخراط صارخ في جريمة التطبيع والخيانة. الاحتفالات التي تدور على بعد أمتار من تلك المدينة التي تنزف دلالة قاسية على التناقض بين القول والفعل، بين القرب المكاني والبعد الأخلاقي. كيف لقلب أن يفرح بينما تُنتشل الجثث من تحت الركام؟ وكيف لأذن أن تغفل عن استغاثات الأطفال والنساء الذين يدفعون ثمن هذا الصمت القاتل؟
في المقابل، وعلى آلاف الكيلومترات، يقف أنصار الله في اليمن كالصخرة التي لا تلين في وجه العواصف، يرسل صواريخه التي تهز الأرض ليس فقط كرد عسكري، بل كرسالة صادقة للعالم: هناك من لا ينسى غزة، من لم يبدل عهد الوفاء بالمصلحة، من لا يخون المظلومين رغم كل التحديات.
المفارقة ليست في المسافة فقط بين القاهرة وصنعاء، بل في عمق الشرف والوفاء. فربما يكون الأقرب في الخريطة هو الأبعد في المروءة، والأبعد مكانًا هو الأقرب شرفًا وإخلاصًا.
في زمن تتلاشى فيه الأصوات الحقيقية وسط ضجيج الزيف، تبقى الأصوات التي تنفع الناس وتمكث في الأرض هي التي تستحق السمع والذكر. أما الزبد فهو ما يذهب جفاء، هو كل ذلك الصخب الذي يغطي على جراح أمة تنزف.
ما يجري في غزة واليمن ليس مجرد صراع عسكري أو نزاع إقليمي، بل اختبار قاسٍ لإنسانيتنا وضمائرنا، وفرصة نادرة لنكشف فيها من يقف مع الحق، ومن يختار الغياب والتخلي عن القيم والمبادئ.