معادلة ردع غير مسبوقة
في وقت تتساقط فيه الأقنعة عن النظام الدولي، وتخبو فيه المواقف الرسمية العربية، برز الموقف اليمني من العدوان الإسرائيلي على غزة كاستثناء نادر في المشهد الإقليمي.
فبينما تواصل إسرائيل حملتها العسكرية الدامية ضد المدنيين في القطاع، ومع تفاقم الحصار والتجويع والدمار، أعلنت صنعاء عن قرار نوعي: هو قرار بدء المرحلة الرابعة من التصعيد والاستهداف للسفن التابعة للشركات المتعاملة مع العدو الإسرائيل.
هذه الخطوة، التي تعد تصعيدًا عسكريًا محسوبًا، جاءت في توقيت بالغ الحساسية، لتعكس تحوّلًا في قواعد الاشتباك الإقليمي، وترسم حدودًا جديدة لمعنى التضامن مع الشعب الفلسطيني. لم يكن القرار اليمني مجرّد رد فعل عاطفي، بل تجسيدًا لرؤية استراتيجية ترى أن الضغط الاقتصادي قد يكون أحد المفاتيح القادرة على التأثير داخل الكيان الإسرائيلي، من خلال ضرب خطوط الإمداد وتعطيل حركة التجارة.
اليمن، رغم ظروفه الصعبة وحربه الطويلة، لم يتخذ موقع المتفرّج. على العكس، قرّر أن يكون جزءًا فاعلًا في المعادلة، مدفوعًا بشعور أخلاقي وإنساني قبل أن يكون سياسيًا. فالمجازر التي تُرتكب يوميًا في غزة، وصور الأطفال تحت الركام، لم تترك مجالًا للصمت أو الحياد.
الرسالة التي وجهتها صنعاء لم تكن موجهة فقط لإسرائيل، بل أيضًا للعالم الذي صمّ آذانه، وللأنظمة التي اختارت الحياد أو التواطؤ. ومضمون الرسالة واضح: في زمن الإبادة، لا توجد مسافة آمنة بين الجريمة والصمت، ومن يبرر أو يتغاضى، سيكون جزءًا من المشكلة.
وفي خضم هذا الصمت العربي الرسمي، يعكس هذا الموقف اليمني نبض الأمة، ويعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية مركزية لا تموت في ضمير الشعوب. لقد أثبتت صنعاء أن الفعل المقاوم لا يحتاج دائمًا إلى جيوش جرّارة أو تحالفات ضخمة، بل إلى إرادة صلبة، وقرار حر، واستعداد لدفع الثمن.
قد تختلف الآراء بشأن أدوات الردع وآلياته، لكن الثابت أن اليمن كسر جدار الصمت، وأدخل عنصرًا جديدًا في ساحة المواجهة، عنوانه: لا يمكن لإسرائيل أن تنعم بالهدوء في البحر بينما تغرق غزة في الدماء.
إنها معادلة غير مسبوقة، تكشف أن الردع اليمني الشعبي والرسمي للعدو سيظل حيًا، وأن هناك من لا يزال يملك شجاعة الفعل في زمن التواطؤ.