غزة تُباد بالقصف والتجويع والصمت يكشف قبح العالم وتواطؤه

غزة تُباد بالقصف والتجويع والصمت يكشف قبح العالم وتواطؤه

في زمنٍ تاهت فيه القيم، وانهارت فيه معايير الإنسانية، تحوّلت غزة إلى مرآة تكشف قبح العالم وتواطؤه. في هذه البقعة الصغيرة المحاصرة، حيث تختنق الحياة تحت وطأة القصف والجوع، يصبح الأمل نفسه وجبةً نادرة… وقد تكون الأخيرة.

غزة لا تموت فقط بالقنابل الذكية ولا بالطائرات المُسيّرة، بل تموت كل يوم بالتجويع، بالعطش، بالبرد، وبالخذلان العالمي. يموت أطفالها ببطء، بلا ضجيج، لأن موتهم لم يعد يحرّك مشاعر أحد. فموتهم صامت كالصمت الدولي الذي يخيّم على المجازر المستمرة منذ شهور، بل منذ سنين.
الطفل يوسف لم يمت نتيجة غارة جوية، بل مات من الجوع، انتظر الحليب ولم يأتِ، انتظر لقمة ولم تصله، انتظر ضمير العالم فلم يستفق. مات لأن العالم خاف أن يقول "كفى"، خاف أن يُغضب القاتل، خاف أن يقطع علاقاته مع من يحاصر غزة ويمعن في خنقها. مات يوسف وهو يُحدّق بعينيه الصغيرتين نحو السماء، يبحث عن رحمةٍ لم يجدها في وجوه البشر، ولا في مكاتب المنظمات التي تجيد الصراخ في القضايا الباردة، وتصمت حين يكون المجرم صديقًا سياسياً أو حليفًا اقتصاديًا.
ليست مأساة يوسف استثناء، بل هو عنوان مأساة أمة بأكملها تُذبح أمام الكاميرات، فيما تنشغل الشعوب بالمباريات، وتتسابق الأنظمة العربية على من يقدّم أوراق الاعتماد للعدو، من يبرر حصاره، ويغازله بخطابات السلام بينما يُدفن أطفال غزة تحت أنقاض الجوع والعطش والحرمان.
كيف يمكن لأمة تدّعي الانتماء إلى رسول الله محمد (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) أن تصمت على مشهد كهذا؟ كيف يسمح من يزعمون التقدم والحداثة لأنفسهم أن يتحدّثوا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما يغضّون الطرف عن حصارٍ هو الأبشع في التاريخ الحديث؟ بل كيف يستمر هذا الحصار، وتُقطع عنه المساعدات، ويُمنع دخول الغذاء والدواء، ثم يخرج البعض ليتحدّث عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"؟!
غزة محاصرة منذ أكثر من 18 عامًا، واليوم تعيش أكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث، ليس فقط بفعل آلة الحرب، بل بفعل حصار خانق أغلقت فيه كل المعابر، وجفّت فيه المستشفيات، وتوقفت فيه الحياة. ملايين البشر يُعاقبون جماعيًا لأنهم رفضوا الانكسار، ولأنهم قالوا لا للاحتلال، ولا للاستسلام.
الأخطر من القتل، هو الصمت .. ذلك الصمت الذي يتدثّر برداء الحياد. الصمت الذي تبرّره الدول الكبرى بالحسابات السياسية والمصالح الاقتصادية. الصمت الذي تبرّره الأنظمة العربية بالخوف من الغضب الأمريكي، أو الخشية من انهيار التحالفات مع كيان الاحتلال.
ذلك الصمت جريمة لا تقل فظاعة عن القصف. بل هو سلاحٌ أشدّ فتكًا، لأنه يُشرعن الجريمة، ويمنح المجرم مساحة لارتكاب المزيد.
أما آن للضمير العالمي أن يستفيق من غفوته القاتلة. أما آن للإنسانية أن تقول كلمتها، قبل أن يُمحى من غزة ما تبقّى من حياة. أما آن للمجتمع الدولي، إن كان حقاً مجتمعًا إنسانيًا، أن يُنهي هذا الحصار، وأن يُحاسب القتلة لا أن يصافحهم، وأن يُرسل الغذاء لا البيانات.
إن لم يستفق هذا الضمير، فإن التاريخ لن يرحم. سيُسجَّل هذا الصمت في صحائف العار، وستبقى صور يوسف، وآلاف الأطفال الذين قضوا قبله، لعنة على كل من سكت، وكل من برّر، وكل من اختبأ خلف توازنات كاذبة.
غزة لا تطلب صدقة، بل حقًا. لا تبكي لتُثير عطفًا، بل تصرخ لتوقظ ضميرًا. غزة لا تريد أن تُعامل كقضية موسمية، بل كجزء من كرامة الأمة التي أصبحت تُباع في مزادات السياسة والإعلام.. فيا أيها الصامتون: حين يصبح الأمل وجبةً أخيرة… يصبح صمتكم جريمة مكتملة الأركان.


طباعة