السويداء السورية بين صوت الاحتجاج ومخاطر التغلغل

السويداء السورية بين صوت الاحتجاج ومخاطر التغلغل

وسط العواصف الإقليمية والتجاذبات الدولية التي تمزق الجغرافيا السورية، تعود التساؤلات القديمة حول مستقبل هذا البلد المنكوب، لكنها اليوم تأتي في سياق أشد تعقيدًا، بعد بروز لاعبين جدد بوجوه قديمة، وعلى رأسهم "أبو محمد الجولاني" الذي يسعى لتقديم نفسه كقوة سياسية قابلة للتعامل،

في وقتٍ تتصاعد فيه التوترات في مناطق أخرى من البلاد، وخصوصًا الجنوب السوري.
في محافظة السويداء، المشهد مختلف لكنه متصل. فالمنطقة ذات الغالبية الدرزية تشهد منذ أشهر حراكًا شعبيًا واسعًا، يعبر عن غضب مكبوت من سوء الأوضاع الاقتصادية، ورفض واضح لتدخل النظام، وتوجس من أي قوى تحاول استغلال الواقع المضطرب لفرض نفوذها.
رغم سلمية الحراك واستقلاله عن أي جهة خارجية، إلا أن محاولات الالتفاف عليه لم تتوقف، سواء من أجهزة النظام الأمنية، أو من جهات تسعى لتكرار سيناريو الشمال في الجنوب، عبر بوابة الفوضى أو استغلال الفضاء الأمني الهش.
في المقابل، يبدو الجولاني وقد انتقل من قائد عصابة إلى شخصية سياسية تحاول فرض نفسها كأمر واقع في الشمال السوري. يتحدث عن الاستقرار وحماية الأقليات، بينما تشير الوقائع إلى تقييد للحريات، وسجون، وتفاهمات مريبة مع قوى إقليمية ودولية تضمن له الاستمرار.
الأخطر من ذلك هو الترويج لهذا النموذج باعتباره "قابلًا للتكرار" في مناطق أخرى، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الجنوب السوري، واحتمال وقوعه فريسة للنسخة المعدّلة من "النصرة" بغطاء مدني.
وإذا كانت السويداء تقف اليوم أمام لحظة فارقة وتنزلق، تحت ضغط الواقع أو الاختراق، إلى مسارات مأزومة لا تختلف عن غيرها.
فإن الجولاني، رغم محاولات الترويج له كجزء من الحل، إلا أنه يظل ابن مرحلة فوضى، لا مشروع دولة. فقبوله دوليًا لا يعني نجاحه محليًا، ولا يعني بالضرورة أنه يمثل مخرجًا آمنًا من الأزمة.
وبالتالي فإن ما تحتاجه سوريا اليوم هو مشروع جامع، وطني، حرّ، لا مقاولين للحرب ولا متعهدين للفوضى. مشروع يعيد للناس كرامتهم، وللدولة معناها، بعيدًا عن منطق الاستبدال القسري بين استبداد وآخر، أو بين احتلالين يختلفان في الشكل ويتفقان في النتيجة.


طباعة