نموذج العمل التنموي المتكامل:خفض فاتورة الاستيراد (الحلقة الخامسة)
نواصل الحديث حول سياسات العمل التنموي المتكامل، التي بدأناها بالتنمية المستدامة، ثم الأولويات الوطنية، وننتقل اليوم إلى السياسة الثالثة، وهي خفض فاتورة الاستيراد، باعتبارها إحدى السياسات المهمة في مسار بناء اقتصاد منتج وتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي.
لقد ارتفعت فاتورة استيراد المواد الغذائية، للأسف الشديد، إلى أكثر من خمسة مليارات ونصف المليار دولار، معظمها مواد زراعية يمكن إنتاجها محليًا. وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من الأموال التي يمكن أن تتحول إلى دورة اقتصادية داخلية، وتعود بالنفع على المزارع والمصنّع والتاجر والمستهلك اليمني، يذهب إلى الخارج لتمويل إنتاج دول أخرى.
وبسبب السياسات التي اتبعتها الحكومات السابقة، تحول اليمن من بلد مكتفٍ ذاتيًا، حتى نهاية السبعينيات، إلى بلد مستورد لمعظم احتياجاته من الحبوب والبقوليات واللحوم والألبان والملابس وغيرها، رغم ما يمتلكه من موارد ومقومات زراعية واقتصادية كبيرة تؤهله لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بل والتوسع في التصدير إلى الخارج.
فاليمن، منذ القدم، اعتمد على الزراعة، وقامت الحضارات اليمنية القديمة على النشاط الزراعي، واستطاعت من خلاله بناء اقتصاد ومجتمع مزدهرين. ولذلك فإن العودة إلى الإنتاج وتعزيز الاعتماد على الموارد المحلية ليست فكرة جديدة على اليمن، وإنما هي استعادة لدور أصيل ارتبط به اليمن عبر تاريخه.
لكن، للأسف الشديد، أصبحت اليمن اليوم سوقًا مفتوحة للمنتجات الغذائية المستوردة، وأصبح المواطن اليمني ينتظر البواخر المحملة بالحبوب والبقوليات والألبان واللحوم وغيرها، القادمة من الصين وفرنسا وبريطانيا وأمريكا وبقية دول العالم. والمفارقة أن المزارع اليمني نفسه، وهو يمثل شريحة واسعة من المجتمع، يقف في مقدمة المستهلكين لهذه المنتجات المستوردة.
وهذا واقع يدعو إلى إعادة النظر في طريقة إدارة مواردنا وإمكاناتنا؛ فنحن نمتلك الأرض والمياه والبذور والخبرة، ومع ذلك ننتظر لقمة العيش القادمة من الخارج، ونبقى في حالة من الارتهان الغذائي. فالتحرر من الاحتلال العسكري لا يكتمل إذا ظل الغذاء والاحتياجات الأساسية مرتبطة بالخارج، لأن السيادة تبدأ من القدرة على إنتاج الغذاء وتأمين الاحتياجات الأساسية من داخل الوطن.
ومن هنا، وبفضل الله سبحانه وتعالى، وكثمرة من ثمار ثورة 21 سبتمبر، وبفضل القيادة الحكيمة، ورغم العدوان والحصار والدمار الذي لحق بالقطاع الزراعي، توجهت اليمن نحو خفض فاتورة الاستيراد، التي، كما قلنا، تزيد على خمسة مليارات ونصف المليار دولار، وتشمل أكثر من 1400 صنف غذائي، معظمها قابل للزراعة والإنتاج والتصنيع في اليمن.
وأمام هذا الرقم الكبير، الذي يفوق ثلاثة تريليونات ريال يمني، يمكن إدراك حجم الفرصة الاقتصادية التي يمثلها إحلال المنتج المحلي محل المستورد. فلو قسمنا هذا المبلغ على عدد مديريات اليمن، فسيكون المتوسط الذي تنفقه المديرية الواحدة في العام نحو عشرة مليارات ريال، وهي أموال تخرج من المديرية وتذهب إلى المزارعين والمنتجين في الصين والهند وأمريكا وغيرها.
وهنا تبرز أهمية العمل على تحويل هذه الأموال إلى الداخل، لتصل إلى المزارع اليمني والمصنّع اليمني، وتتحول من فاتورة استيراد إلى دورة إنتاج محلية، وذلك من خلال مجموعة من السياسات والإجراءات.
ومن أهم هذه السياسات التوجه نحو زراعة الحبوب والبقوليات في اليمن بدلًا من استيرادها من الخارج، وتربية الثروة الحيوانية واستغلال منتجاتها، ودعم الأسر المنتجة بالمعامل، وتشجيع رؤوس الأموال على الاستثمار في توطين الصناعات الغذائية، على أن تعتمد هذه الصناعات، قدر الإمكان، على مواد خام محلية، سواء في صناعة العصائر والمربيات والصلصة والبقوليات المعلبة والبسكويت، أو في تجميد اللحوم والدواجن وصناعة الألبان والزيوت والسمن وغيرها.
ومن السياسات المهمة في هذا الجانب الزراعة التعاقدية، وهي نظام تسويقي يقوم على اتفاق مسبق بين المزارع والتاجر على شراء كميات محددة من الحبوب والبقوليات والفواكه والخضار، بسعر مناسب وجودة محددة، ويكون ذلك عبر الجمعيات الزراعية.
وبهذا النظام يضمن المزارع تسويق منتجه قبل زراعته، ويضمن التاجر الحصول على المنتج بالكميات والجودة التي يحتاج إليها، الأمر الذي يسهم في تنظيم الإنتاج وربطه بالسوق، ويحد من العشوائية في الزراعة والإنتاج.
ومن السياسات التي يجب اتباعها أيضًا الزراعة المنظمة والموجّهة؛ فبدلًا من التوسع في زراعة محاصيل وأصناف نحقق فيها الاكتفاء الذاتي، يمكن توجيه جزء من الأراضي والمدخلات الزراعية نحو زراعة المحاصيل والأصناف التي ما زلنا نستوردها من الخارج.
وقد استطعنا إغلاق فاتورة 42 منتجًا نباتيًا وحيوانيًا، بقيمة تزيد على 320 مليون دولار، كانت تذهب إلى المزارع الخارجي، وهذا يمثل مؤشرًا مهمًا على إمكانية التوسع في إحلال المنتج المحلي محل المنتج المستورد، وعلى قدرة الإنتاج المحلي على استعادة جزء من السوق الداخلية.
كما أن المستوردين للمواد الغذائية يمكن أن يتحولوا من مجرد مستوردين إلى منتجين ومستثمرين داخل اليمن، من خلال إنشاء معامل ومصانع محلية بدلًا من استيراد المنتجات كاملة من الخارج، سواء العصائر أو البسكويت أو المربيات أو الصلصة أو الشطة وغيرها.
ومن الأمور المهمة جدًا أن تكون مشاريع التمكين الاقتصادي التي تقدم للفقراء وأسر الشهداء والمعاقين والشباب، مشاريع تسهم في خفض فاتورة الاستيراد لا في زيادتها، وأن تحقق للمستفيد فرصة اقتصادية مستدامة، وفي الوقت نفسه تدعم الإنتاج المحلي.
فعلى سبيل المثال، عندما توزع مكائن أو أدوات للتجميل على الأسر، فإنها توفر فرصة عمل للمستفيد، لكنها قد تسهم في الوقت نفسه في رفع فاتورة الاستيراد، إذا كانت أدوات المشروع وقطع غياره واحتياجات تشغيله مستوردة من الخارج.
ولهذا فإن معيار نجاح مشاريع التمكين الاقتصادي لا ينبغي أن يقتصر على عدد المستفيدين أو فرص العمل التي توفرها، وإنما يجب أن ينظر أيضًا إلى أثرها في الاقتصاد المحلي: هل تنتج سلعة محلية؟ هل تعتمد على مواد خام محلية؟ هل تقلل الاستيراد؟ وهل يمكن أن تتحول إلى مشروع إنتاجي مستدام؟
كذلك، من السياسات المهمة إيجاد البدائل المحلية، ومنها، على سبيل المثال، الذرة الشامية التي نستوردها كأعلاف للدواجن بمئات الملايين من الدولارات. والأفضل هو البحث عن بدائل محلية، مثل الدخن أو الذرة الرفيعة، التي تحتوي على نسبة كبيرة من البروتين، وهي محاصيل نحقق فيها حالة من الاكتفاء، بل تزيد عن الحاجة.
وعند استخدام هذه المحاصيل بديلًا عن الذرة الشامية في أعلاف الدواجن، فإن ذلك لا يسهم فقط في خفض فاتورة الاستيراد، وإنما يفتح سوقًا جديدة أمام المزارع اليمني، ويخلق حلقة إنتاج متكاملة تبدأ من زراعة المحصول، مرورًا بتصنيعه كعلف، وصولًا إلى إنتاج الدواجن وتسويقها داخل السوق المحلية.
إن تحقيق سياسة خفض فاتورة الاستيراد والنجاح فيها مسؤولية مشتركة، تبدأ بوعي المستهلك، الذي عليه أن يقبل على شراء المنتجات المحلية، وأن يفضل المنتج المحلي متى ما كان متوفرًا بالجودة والسعر المناسبين، وأن يحد من شراء المنتجات المستوردة التي تتوفر لها بدائل محلية.
كما تقع المسؤولية على القطاع الخاص، الذي يتوجب عليه توجيه جزء أكبر من أمواله نحو الداخل، والشراء من المزارع والمنتج اليمني بدلًا من الاعتماد على المنتج الخارجي، والتحول من نشاط الاستيراد فقط إلى الاستثمار في الإنتاج والتصنيع المحلي.
وتقع المسؤولية كذلك على الدولة، من خلال إيجاد السياسات والأنظمة واللوائح التي تنظم عملية إحلال المنتج المحلي محل المنتج المستورد، وتدعم المنتجين والمصنعين، وتشجع الاستثمار في الصناعات الغذائية، وتوفر البيئة المناسبة للتوسع في الإنتاج المحلي.
فخفض فاتورة الاستيراد لا يعني فقط تقليل الأموال الخارجة إلى الخارج، وإنما يعني تحويل هذه الأموال إلى قوة إنتاجية داخلية، وإلى دخل للمزارع، وفرص عمل للشباب، واستثمارات للمصنعين، وأسواق للمنتجين، وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وفي النهاية، فإن الفاتورة نحن من نرفعها، ونحن من ندفع ثمنها إلى الخارج، ولذلك فإن خفضها يبدأ من قرار إنتاجي داخل الأرض اليمنية، ومن مزارع يزرع، ومصنّع ينتج، وتاجر يشتري المنتج المحلي، ومستهلك يفضله، ودولة تضع السياسات التي تحمي هذا المسار وتدعمه.
فالتحرر والسيادة والكرامة والاستقلال لن تكتمل ما لم نأكل مما نزرع، ونلبس مما نصنع.