حين تتحول المقدسات إلى ورقة استغلال لإنقاذ المعتدي الغارق

حين تتحول المقدسات إلى ورقة استغلال لإنقاذ المعتدي الغارق

عندما يفشل العدوان في الميدان ويفقد غطاءه الأخلاقي، لا يبقى أمامه إلا سلاحه الأخير: تزييف الوعي وتوظيف المقدس، وهذا بالضبط ما تفعله السعودية اليوم بعد اثني عشر عاما من الحرب على اليمن وبعد أن استنفدت كل ذرائعها العسكرية والسياسية،

عادت عبر كتائبها الإعلامية لتروج لأكذوبة مفضوحة تزعم أن القوات المسلحة اليمنية تخطط لاستهداف مكة المكرمة.
إنه نموذج صارخ لتحويل القبلة من رمز يوحد المسلمين إلى ورقة سياسية تحاول إنقاذ معتدٍ غارق، فالتجربة علمتنا أن الرياض لا تخرج ورقة مكة من جعبتها إلا في لحظات الانكسار وكلما تلقت ضربات موجعة في العمق، وفشلت حملاتها الجوية، وسقطت مقاتلاتها الحديثة كطائرة F-15 في أجواء مأرب، هربت من تغطية هزائمها إلى افتعال معركة جانبية تستثير الوجدان الديني، فالهدف ليس حماية مكة، بل حرف الأنظار عن مأزق الميدان.

الشواهد تثبت عكس الرواية السعودية تماما، وعلى مستويين:
على المستوى الشعبي: عندما أحرقت المصاحف في أمريكا وأوروبا، وعندما انتهك الاحتلال حرمة المسجد الأقصى، كان اليمنيون في صدارة شعوب الأمة، بمظاهرات مليونية هي الأكبر عالميا دفاعا عن المقدسات وهذا السلوك الجمعي الثابت يجعل تهمة استهداف مكة افتراء يصطدم بالواقع.
على المستوى العسكري: أكدت القوات المسلحة اليمنية مرارا وتكرارا أن عملياتها تدار وفق بنك أهداف دقيق ومعلن وهي تستهدف حصريا المنشآت النفطية التابعة لأرامكو في نجران وجيزان وينبع، والقواعد الجوية كقاعدة خالد وخميس مشيط، والمطارات الحربية، بوصلة العمليات واضحة ولم تستهدف يوما عينا مدنيا أو مقدسا، في حين إن سجل العدوان حافل باستهداف الإنسان والمساجد والأسواق وصالات العزاء.
المفارقة الفاضحة أن من يزعم اليوم الخوف على مكة هو نفسه من أساء لحرمتها، فالنظام السعودي سخر مكانة الحرمين لخدمة مشاريع تطبيعية مع العدو الصهيوني، وتحت رعاية غربية كاملة ولم يعد الأمر تسريبات، بل وصل إلى حد تقديم هدايا رمزية ككسوة الكعبة لشخصيات مدانة في جرائم أخلاقية كقضية إبستين، في إهانة غير مسبوقة لرمزية المقدسات، والسعودية لا تتذكر مكة إلا كـ"جوكر" سياسي تسحبه عند الأزمات.
يكشف هذا التحول في الخطاب حجم العجز وتآكل الذرائع، فعندما بدأ العدوان في مارس 2015م تحت لافتة "إعادة الشرعية"، ثم سقطت هذه اللافتة، بعدها انتقلت الرياض إلى لافتة ثانية "تأمين باب المندب والملاحة الدولية" لتدويل الحرب واستدعاء الأساطيل الغربية، ففشلت أيضا، واليوم ترفع اللافتة الثالثة والأخيرة "استهداف مكة" وهي الورقة المحروقة التي تؤكد أن بنك الذرائع قد أفلس..كل هذا كان غطاء على ما وصفته الأمم المتحدة بأكبر كارثة إنسانية في العالم، وهي الكارثة التي وضعت السعودية بسببها على اللائحة السوداء لمنتهكي حقوق الأطفال، بعد سقوط عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى معظمهم من النساء والأطفال، وتدمير ممنهج للقطاع الصحي وتفشي الأوبئة.
على المسار السياسي تكرر نفس السيناريو ووقعت الرياض على اتفاق الهدنة الأممي الذي نص على صرف المرتبات وفتح الطرقات وتخفيف الحصار وتبادل الأسرى، ثم تنصلت من التزاماتها لكسب الوقت وتحريك أدواتها للتصعيد نحو صنعاء، فكان الرد اليمني حاسما وأفشل المخطط، وفرض معادلة الردع "الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد".
الخلاصة: لم تعد أكذوبة استهداف مكة تنطلي على أحد، فالرأي العام الإقليمي والدولي بات يدرك أن معركة اليمن هي معركة استقلال وكرامة وسيادة.
إن الطريق الوحيد أمام النظام السعودي لإنهاء أزمته ليس صناعة الفبركات الإعلامية، بل المراجعة الشاملة، والوقف الفوري للعدوان، والرفع الكامل للحصار، والتعامل مع اليمن كدولة ذات سيادة يمتلك شعبها وقواتها المسلحة الإرادة والقدرة على حماية أرضه وسمائه، وحماية مقدسات الأمة قولا وفعلا، فمن يحمي المقدسات حقا هو من ينتصر لها في الميدان، لا من يتاجر بها في نشرات الأخبار.


طباعة