دموع التماسيح
في عالم السياسة، لا شيء أكثر إثارة للاشمئزاز من دموع الجلاد الذي يبكي على ضحيته. إنها دموع التماسيح، ذلك السائل الذي يفرزه التمساح أثناء التهام فريسته، ليس حزناً ولا ندماً، بل مجرد آلية بيولوجية للترطيب.
وهكذا هي دموع النظام السعودي، الذي يذرفها اليوم على منشآت أرامكو، بعد أن دكّ اليمن لأكثر من عقد من الزمن، وقتل مئات الآلاف من أبنائه، وحاصر شعبه جواً وبحراً، ومنع عنه الدواء والغذاء.واليوم يعاود الكيان السعودي اجرامه الغاشم ففي يوم 7 من سبتمبر 2026، ارتكب الطيران الحربي السعودي مجزرة جديدة بحق الشعب اليمني، حينما استهدف السجن المركزي في مدينة الحزم بمحافظة الجوف. وكشف المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، بالبيانات الدقيقة أن طائرة حربية من طراز (F15-SA) أقلعت عند الساعة 16:30 من قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط، ونفذت غارتين جويتين على السجن، قبل أن تعود إلى القاعدة ذاتها عند الساعة 16:45 . راح ضحية هذه المجزرة عدد كبير من نزلاء السجن، بينهم نساء وأطفال من الزوار .
هذه الجريمة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة. فمنذ عام 2015، شنّ التحالف السعودي حملة جوية بلغت 250 ألف غارة خلال السنوات الأولى للحرب، استهدفت المدنيين والبنية التحتية. وتشير بيانات منظمة "Action on Armed Violence" إلى أن التحالف السعودي كان مسؤولاً عن 38% من إجمالي الحوادث في اليمن بين 2014 و2023، وعن 58% من الضحايا المدنيين، و68% من الوفيات بين المدنيين . كما تشير تقارير إلى أن الغارات الجوية للتحالف تسببت في مقتل وإصابة 805 أطفال
لم تكن الحرب مجرد عدوان عسكري، بل كانت غطاءً لنهب منظم لثروات اليمن. كشف الخبير الروسي سيرجي نيكولايف، أستاذ في جامعة سان بطرسبرغ، أن أكثر من 400 مليار دولار من عائدات النفط اليمني تم نهبها خلال السنوات الأخيرة من عشرات الآبار النفطية في صحراء الربع الخالي، بالإضافة إلى قطاعات بحرية في البحر الأحمر وخليج عدن وسقطرى . وأشار إلى وجود أكبر مخزون للنفط والغاز في العالم في اليمن في صحراء الربع الخالي، والذي يقدر بأكثر من 100 مليار برميل من النفط وأكثر من 50 تريليون متر مكعب من الغاز، وأكثر من 1000 طن من الذهب في ستة مناجم سرية .
ووفقاً لتقرير الخبير الروسي، جنّدت السعودية والإمارات قرابة 500 ألف مرتزق ضمن سبعة أنواع من المليشيات التي تضم أكثر من 100 لواء، تمتد من الساحل الغربي وباب المندب وخليج عدن إلى سواحل حضرموت والمهرة، لحماية حقول النفط والغاز والسيطرة على الشركات والموانئ والمطارات، وتنفقان على هذه المليشيات سنوياً أكثر من 10 مليارات دولار
في المقابل، عندما تمكنت القوات المسلحة اليمنية من الرد على هذا العدوان، واستهدفت منشآت أرامكو في المدن اليمنية المحتلة جيزان وأبها ونجران، وقاعدة خميس مشيط الجوية بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وأسفرت الهجمات عن إصابة 73 مدنياً ، هرع النظام السعودي إلى حشد كل قدراته الدبلوماسية والإعلامية والأمنية لتضليل شعوب العالم.
وتحدث السعودية عن "حقها المشروع في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها"، وطالبت بـ"الوقف الفوري لكافة أشكال التصعيد" . يا للعجب! أين كان هذا الحق المشروع عندما كانت الطائرات السعودية تقصف الأعراس والمدارس والمستشفيات والأسواق في اليمن؟ أين كانت هذه السيادة المزعومة عندما كانت الغارات الجوية تفتك بأطفال اليمن ونسائه وشيوخه؟
في أكتوبر 2016، قصفت طائرات التحالف قاعة عزاء في صنعاء كان يجتمع فيها أكثر من 1000 شخص، فقتلت 132 وأصابت 695 آخرين . وفي أغسطس من العام نفسه، قصفت طائرات التحالف حفل زفاف في منطقة الحواق بمحافظة الحديدة، فقتلت 23 شخصاً بينهم 5 أطفال وامرأتان، وأصابت 46 آخرين . هذه ليست حوادث معزولة، بل هي نمط ثابت في الحرب السعودية على اليمن.
ختاماً تبقى الحقيقة أن الكيان السعودي أثبت عبر تاريخه أنه لا يحترم العهود منذ اتفاقية الطائف في ثلاثينيات القرن الماضي مع الامام يحيي ومن ثم مع حكومات اليمن المتعاقبة إلى أن وعدت السعودية نفسها بوقف الحرب على اليمن في اتفاقيات متعددة، ونكثت بوعودها في كل مرة. إن النظام الذي يمنع وصول الأدوية لمرضى الفشل الكلوي والسكري في اليمن، ويحاصر مطار صنعاء لمنع المرضى من السفر للعلاج، ليس نظاماً يمكن الوثوق به.
ولذلك فإن على العالم الذي يشاهد اليوم دموع التماسيح على أرامكو، أن يتذكر أن هذه المنشآت هي جزء من الآلة العسكرية التي تقتل اليمنيين. إن كل برميل نفط يخرج من هذه المنشآت هو وقود للطائرات التي تقصف اليمن، ووقود للمدرعات التي تحاصر المدن، ووقود للآلة العسكرية التي تنهب الثروات.