اليمن يتسع للجميع !!!
منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض المقدسة، واليمنيون يسطرون أبهى صور العصامية والأنفة، غير أن العدوان عليه كشف عن تباين صارخ في مسارات المواطنة وإدارة الأزمات.
فبينما تحاول العاصمة صنعاء المتمثلة في حكومة التغيير والبناء تقديم نموذج صمود خدمي ومؤسسي بالحد الأدنى المتاح-من توفير المياه والمشتقات النفطية وإدارة ما يمكن إدارته رغم الخنق والحصار المطبق-تتجلى على الضفة الأخرى صورة قاتمة ومأساوية لما آلت إليه الأوضاع في المناطق الواقعة تحت إدارة القوى المرتهنة للمحتل السعودي والإماراتي، فالمواطن اليمني في تلك المناطق بات يكتوي بنار غياب أدنى مقومات الحياة، من انقطاع دائم للكهرباء والماء، وندرة الأدوية المنقذة للحياة كمستلزمات الفشل الكلوي وإنسولين السكري، واللقاحات الأطفال وغيرها ، وانعدام الأمن، وصولاً إلى انهيار القدرة الشرائية وتوقف مرتبات الموظفين، في مفارقة عجيبة تجعل من يُفترض أنهم "حكومة" يعيشون منفصلين تماماً عن الواقع، يديرون شؤون وطنهم من أجنحة فنادق الرياض وبأوامر مباشرة وتوجيهات من السفير أو الحاكم العسكري.
وبالتالي فإن المعاناة الإنسانية الممتدة من الشمال إلى الجنوب تؤكد حقيقة واحدة: أن الحصار والوصاية لم يستثنيا أحداً، وأن البؤس الذي يلاحق اليمني اليوم هو نتاج طبيعي لسلب القرار الوطني وتسلّم مقدرات البلاد لرعاة إقليميين يتلذذون بتنكيل الشعب وإهانته. ولقد تجسدت هذه الإهانة في أبشع صورها حين أصبح رؤساء ووزراء وشخصيات محسوبة على "الشرعية" ينتظرون الإذن للعودة إلى أرضهم، أو يُمنعون من اتخاذ أي قرار سيادي، يقول السفير السعودي محمد آل جابر في لقاءاته مع المسؤولين اليمنيين:"أنتم هنا لأننا نريدكم هنا، ومتى شئنا رحلتم". ويقول أحد المستشارين السعوديين عن وزراء الشرعية: "هؤلاء ليسوا رجال دولة، بل موظفون يتقاضون رواتبنا". ويعلّق السفير بتهكم على جلسات الحكومة في فندق الرياض: "نحن ندفع الفاتورة، لذا من حقنا إدارة الاجتماعات". أما الحاكم العسكري السعودي فيقول للقادة العسكريين الموالين: "أنتم هنا بفضلنا، ومصيركم مرتبط بقرارنا". هذه ليست أقوالاً عابرة، بل هي جوهر النظرة السعودية لليمن ولأبنائه.
تتعدى الإهانات السعودية لحكومة الشرعية حدود التصريحات إلى الممارسات اليومية. ففي إحدى المناسبات، تم إبقاء رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي في انتظار طويل خارج قاعة اجتماع مع مسؤول سعودي، لتوجيه رسالة واضحة عن قيمتهم الحقيقية.
ناهيك عن بعض المشايخ والوجاهات والقيادات الحزبية التي ارتهنت للجنة الخاصة السعودية، فأُفرغت من أدوارها القبَلية والوطنية التاريخية ليتحولوا إلى مجرد أدوات لتسديد الفواتير وحشد أبناء قبائلهم في معارك عبثية تنتهي بهم وقوداً لخدمة أهداف لا تمت لليمن بصلة.
أما آن للأخوة المغرر بهم الذين ما زالوا يظنون أن الدفاع عن العدو التاريخي السعودي هو دفاع عن اليمن، انظروا حولكم: أين هي ثروات اليمن؟ أين هي سيادته؟ أين كرامة أبنائه؟ إن من يدفعكم لقتال إخوانكم ليس صديقاً لكم، بل هو من يستنزف دماءكم ليبقي نفسه في موقع القوة، فعلى من يقاتلون في الجبهات دفاعاً عن حدود المحتل وأجنداته ضد إخوانهم في صنعاء-أن يدركوا أن ما تطالب به القوات المسلحة اليمنية وحكومة التغيير والبناء ليس مكسباً فئوياً، بل هو استحقاق لكل يمني؟ إن مطالب رفع الحصار، وخروج القوات الأجنبية من كل شبر في اليمن، وصرف مرتبات كافة موظفي الدولة من عائدات النفط والغاز، وجبر الضرر، وكف يد الحاكم العسكري الأجنبي، هي مطالب سيادية جامعة تخص المواطن في عدن وحضرموت وسقطرى تماماً كما تخص المواطن في صنعاء وتعز وصعدة والحديدة. وإن ردة الفعل المتمثلة في فرض معادلات الردع لم تكن إلا وسيلة اضطرارية لكسر اليد التي امتدت لتجويع هذا الشعب الشريف وحرمانه من حقه الطبيعي في العيش الكريم.
ولذلك فإن اللحظة التاريخية الحالية تتطلب شجاعة ومكاشفة ذاتية؛ فعزة اليمنيين وكرامتهم لن تُستعاد إلا بنسيان آلام الماضي ومرارات الانقسام، والتعالي فوق الجراح لفتح صفحة جديدة أساسها توحيد الصف الوطني لطرد المحتل وأدواته من كل ذرة تراب يمنية. إن اليمن يتسع لجميع أبنائه دون استثناء، ويمتلك من الثروات الطبيعية والموقع الاستراتيجي والعقول البشرية ما يجعله في صدارة الدول المتقدمة والفاعلة، بشرط أن يمتلك قرار سيادته بنفسه بعيداً عن أوهام الوصاية وعطايا الفنادق واللجنة الخاصة. فلن ينال الشعب طعم الحرية ولا رغد الحياة إلا إذا مرّغ غرور عدوه التاريخي في تراب اليمن وبحاره، والتف الجميع حول الخيار الوطني؛ فالوطن أكبر ويتسع لجميع أبنائه الأحرار.