الخروج من النفق المظلم

الخروج من النفق المظلم

يقف الشعب اليمني في الشمال والجنوب أمام لحظة تاريخية فارقة، كشفت فيها سنوات الحرب والدمار عن حقيقة واحدة لا مرية فيها: إن معاناة اليمنيين اليومية، من تجويع، وحصار للأدوية والغذاء، وقطع للرواتب، ليست نتاج صدفة أو أزمة عابرة، بل هي نتاج استراتيجية تعميد العبودية واغتصاب السيادة الوطنية.

لقد سُحبت النخبة المسماة "حكومة الشرعية" من أرض الوطن ليتم حشرها في "جيتو" الفنادق والمجمعات السكنية في الرياض، حتى غدت "بيروقراطية معطلة" تعيش حالة من الاغتراب السياسي، وتستمد وجودها من اعتراف الممول لا من تفويض الشعب. ومن منظور علم الاجتماع السياسي، جرى إخضاع هذه القيادات عبر آلية دقيقة من "الاحتواء المالي" والتغاضي عن ملفات الفساد، لتتحول من "رجال دولة" إلى "سياح سياسيين" مسلوبي الإرادة، يُدارون عبر السفير السعودي الذي يمارس عملياً دور "المفوض السامي" ويوجه الوزراء والمحافظين ككومبارس في المشهد.
إن آلية "الإذلال بالانتظار" والتهميش البروتوكولي، وصولاً إلى المنع من العودة إلى الوطن والتحكم بالودائع والرواتب، لم تكن سوى أدوات لكسر أنفة المسؤول اليمني وتصفية كرامته. لقد وصلت الإهانة لرمزية اليمن إلى أقصى درجات الاستحقار والتسلط، حتى صرنا أمام سلطة مرتهنة كلياً، يخشى مسؤولوها الطرد من الفندق أكثر من خشيته سقوط الوطن.
بقاء هذه السلطة في منافي الرياض هو مصادرة صريحة ومستمرة للسيادة الوطنية، واستحقار مباشر لمآسي اليمنيين في الجنوب والشمال؛ فالرياض لا تريد يمناً مستقلاً أو حليفاً قوياً، بل كياناً هزيلاً بلا أنياب يُستخدم كـ"ورقة تفاوضية" لحماية حدودها واقتطاع الثروات في المحافظات النفطية والاستراتيجية.
المخرج الوحيد من هذا النفق المظلم، هو التحرر الكامل من الوصاية، والإدراك الجمعي بأن كرامة الوطن لا تُستجدى من الديوان الملكي. لقد آن الأوان لطي صفحة الخلافات البينية، وإسقاط رهانات التفتيت الإقليمي، والذهاب فوراً نحو مصالحة وطنية شاملة وتسامح حقيقي مع حكومة الأمر الواقع في صنعاء، التي تخوض معركة الدفاع عن الأرض والسيادة في مواجهة العدو التاريخي لليمن.
والتغيير الجذري لن يصنعه نخب أدمنت ثقافة الفنادق وشرعت احتلال أرضها، بل يصنعه اصطفاف شعبي يرفع رأسه عالياً، ليُعلنها مدوية: لا سيادة بلا استقلال، ولا كرامة لليمنيين إلا بإنهاء الوصاية وتأميم القرار الوطني على أرض السعيدة.


طباعة