من حصار المطارات إلى حصار النفط.. اليمن يفرض قواعده في البحر الأحمر

من حصار المطارات إلى حصار النفط.. اليمن يفرض قواعده في البحر الأحمر

تحولت قواعد اللعبة في المنطقة، فبعد 12 عاماً من الحصار الشامل الذي أطبق على اليمن براً وبحراً وجواً، انتقلت المواجهة إلى ضفة جديدة من الدفاع إلى المبادرة، ومن تحمل العقاب إلى فرض معادلة "الحصار بالحصار" فالحصار الذي قادته السعودية بدعم أمريكي لم يكن إجراءً عابراً،

بل شمل إغلاق مطار صنعاء، وتضييق الخناق على الموانئ، ومنع دخول الدواء والوقود، وتجويع ممنهج وعندما وصلت الأزمة إلى نقطة الانفجار، اختارت القوات المسلحة اليمنية أن ترد بنفس الأدوات التي استخدمت ضدها.
التصعيد الأخير بدأ بمحاولة مقاتلات سعودية اعتراض طائرة مدنية تقل أكثر من 200 مريض وعائد يمني ومنعها من الهبوط في مطار صنعاء، ولكن تصدت الدفاعات الجوية لها وأجبرتها على الانسحاب، وتبعها بيان حاسم: أي خرق جديد للأجواء سيُقابل باستهداف المطارات والبنى الحيوية السعودية، ومع ذلك تجاهلت الرياض التحذير وعادت لقصف مطار صنعاء، فكان الرد سريعاً: استهداف مطار أبها بالصواريخ والمسيرات، وإسقاط طائرة "وينق لونق" في البيضاء، وأخرى "بيرقدار أكنجي" في الجوف، فالأجواء اليمنية أعلنت منطقة محظورة على طيران العدوان.
وبالتزامن، خرجت حشود مليونية في صنعاء والمحافظات تمنح القيادة تفويضاً شعبياً لكسر الحصار، وأعلنت القوات المسلحة رسمياً بدء الحظر البحري على السعودية، ودخل القرار التنفيذ فور صدوره، حيث بدأت الرسائل البحرية بناقلتي النفط "إنسيليا" و"ليلى" بعد مغادرتهما ميناء ينبع بحمولة تزيد عن 2.8 مليون برميل وأصيبتا بدقة وأُجبرت نحو 10 سفن أخرى على العودة، ثم استهدفت السفينة (NCC GHAZAL)لرفضها النداءات.
ولم يقتصر الرد على البحر، فبعد قصف الحديدة وجزيرة كمران، وجهت ضربات متزامنة لجيزان وينبع، شملت منشآت أرامكو الحيوية، وطالت بقيق وخطوط نقل النفط من الشرق إلى الغرب، حيث أظهرت صور الأقمار أضراراً في خزانات الغاز ببقيق وحرائق امتدت لأيام في جيزان.
الأثر الاقتصادي كان مباشراً إغلاق مصفاة جيزان 400 ألف برميل يومياً، انخفاض نشاط الموانئ الغربية 60%، وتراجع حركة السفن 45%، وهبوط مناولة الحاويات في ميناء الملك عبدالله بأكثر من 80%. وحتى تحويل الصادرات السعودية عبر ينبع للهروب من مضيق هرمز لم يعد آمناً.

الاستراتيجية اليمنية تبلورت في ثلاثة محاور متوازية وهي:
1- المحور الجوي: جعل المطارات السعودية أهدافاً مشروعة حتى رفع الحصار عن مطار صنعاء.
2- المحور البحري: التدرج من الإنذار إلى استهداف الناقلات المخالفة وفرض تراجع السفن التجارية.
3- المحور الردعي: أي استهداف للمدن اليمنية يُقابل بضربات في عمق السعودية، من جيزان إلى بقيق ورأس تنورة.
التحرك السعودي للهروب للأمام تمثل في الدعوة لتحالف بحري دولي، ولكن التجربة أثبتت عقمه، فمن 51 دولة دُعيت، حضرت 43 ولم تلتحق سوى 14، وواشنطن وبروكسل آثرتا عدم الدخول، بعد فشل تحالفات سابقة مثل "حارس الازدهار"، فمع إغلاق هرمز وباب المندب، لم تعد هناك ممرات بديلة آمنة لنفط المملكة.
انتهى زمن أن يكون اليمن متلقياً للضربات، فاليوم أصبح الاقتصاد السعودي، ونفطه، وموانئه، ومطاراته، رهينة مباشرة لقرار واحد رفع الحصار عن اليمن، والمعادلة الجديدة التي فرضتها اليمن بسيطة وواضحة لا أمن للملاحة في ظل حصار، ولا تصدير نفط في ظل إغلاق المطارات.
إن التطورات الأخيرة تؤكد أن أمن البحر الأحمر والطاقة لا يمكن تجزئته، فلا استقرار للملاحة في ظل استمرار القيود، ولا ضمانات لصادرات النفط في ظل غياب التفاهمات السياسية، كما أن المخرج من هذا الوضع لا يكون بالمزيد من التحالفات العسكرية أو التصعيد المتبادل، وإنما بالعودة إلى استحقاقات السلام رفع كافة القيود عن المطارات والموانئ اليمنية، احترام السيادة، معالجة الملف الإنساني، صرف مرتبات الموظفين، وإطلاق الأسرى وتعويض المتضررين.
المنطقة اليوم بحاجة إلى مقاربة جديدة تقوم على مبدأ "الأمن مقابل الأمن"، وأي تجاهل لهذه المعادلة سيبقي باب التوتر مفتوحاً، وسيجعل من البحر الأحمر ساحة انعكاسات اقتصادية تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الإقليم.
إذاً الخيارات أمام الرياض محددة إما الاستمرار في التصعيد ودفع كلفته في العمق، أو العودة إلى طاولة الاستحقاقات: فك الحصار، احترام السيادة، الانسحاب، التعويض، ودفع المرتبات، غير ذلك، فالبحر الأحمر سيبقى ساحة مفتوحة، وستظل "سنابل النفط" تحت رياح قادمة من جبال اليمن.


طباعة