الإعلام الوطني ودوره في دعم القرار ومكافحة الفساد

الإعلام الوطني ودوره في دعم القرار ومكافحة الفساد

في أدبيات السياسة المعاصرة، لم تنل الصحافة لقب "السلطة الرابعة" من فراغ، بل لكونها الذراع الرقابية الشعبية التي تحمي بقية السلطات من الانزلاق في فخ الروتين والمحسوبية والفساد. وفي بلد يعيش ظروفاً استثنائية كاليمن، تصبح الحاجة إلى إعلام حقيقي قوي ومكاشف، ضرورة وجودية لا ترفاً فكرياً.

فالإعلام حين يكون قريباً من صانع القرار، ويؤدي دوره الوطني على أكمل وجه بنقل الأحداث الصحيحة بعيداً عن التلميع والمجاملة، يتحول إلى أداة فاعلة في الكشف عن الاختلالات والفساد في مؤسسات الدولة.
تدرك الدول المتقدمة هذه الحقيقة جيداً، ولذلك صاغت دساتيرها وقوانينها لتمنح الإعلام حرية التعبير بما يتوافق مع المصلحة العامة والسيادة الوطنية. وقد أثبتت التجارب العالمية أن الإعلام الحر الناقد يشكل دعماً قوياً لصانع القرار، ويساهم في كشف الفساد ومحاربة المحسوبية. ففي تلك الدول، أصبح الإعلام رقيباً على السلطات، وقناة لتوصيل هموم المواطنين إلى المسؤولين، وفضاءً للحوار البناء الذي يعزز ثقة الجمهور في مؤسسات الدولة.
أما في اليمن، فالواقع مختلف تماماً. فقد تحول المشهد الإعلامي إلى منصات للعلاقات العامة، تكتفي بالتلميع والمجاملة ونقل الأخبار البروتوكولية لمسؤولي الدولة، غافلة عن دورها الأساسي كجسر يربط بين هموم الشارع وغرف صناعة القرار. إن الإعلام الذي يخشى توجيه النقد البناء للمسؤولين خوفاً من التأويلات الخاطئة، هو إعلام يُسدي "خدمة سيئة" للسلطة ذاتها. حين تغيب البرامج الحوارية الجريئة التي تستضيف المسؤول وتواجهه بأسئلة المواطن ومشاكله اليومية، ينعزل صانع القرار في شرنقة من التقارير الوردية التي لا تعكس الواقع المعاش.
الدول المتقدمة لم تسبق غيرها بوفرة الموارد فحسب، بل لأن الفاسد فيها يخشى عين الصحافة قبل أن يخشى حبل القانون. الإعلام الحر والمسؤول هو البيئة الطاردة للفاسدين، وغيابه يعني منح بيئة خصبة للاختلالات الإدارية والمالية لتنمو في الظل بعيداً عن الرقابة. فالنقد البناء، البعيد عن التجريح واتهام البعض دون دليل، يصبح عوناً وداعماً لصانع القرار في الكشف عن مكامن الخلل في مؤسسات الدولة ومعالجتها.
وهنا تبرز أهمية التمييز الحاسم والواعي بين "النقد البناء" الذي يشير إلى مواطن الخلل بهدف الإصلاح، وبين "التحريض والتجريح" الذي يهدف إلى الهدم والتشويه. هذا التمييز هو جوهر الإعلام المسؤول، وهو الذي غائب عن المشهد الإعلامي اليمني في معظمه.
من موقع القراءة التحليلية للمشهد، وأهمية تعزيز الجبهة الداخلية، نضع أمام القيادة في صنعاء خارطة طريق إعلامية تخدم مشروع "بناء الدولة" وتكافح الفساد بفاعلية:

أولاً: حماية الحصانة النقدية للصحافة
يجب التفريق الواعي بين النقد البناء الذي يشير إلى مكامن الخلل في مؤسسات الدولة بهدف إصلاحها، وبين التحريض والتجريح. ذلك أن الخوف من النقد هو ما يطيل عمر الفساد ويحول دون تطوير الأداء الحكومي. الإعلام القوي لا يهدد السلطة، بل يصحح مسارها ويحميها من الانزلاق في مستنقع الأخطاء المتراكمة.

ثانياً: إحياء ثقافة البرامج الحوارية الجريئة
فتح المجال أمام برامج تلفزيونية وإذاعية تستضيف المسؤولين، وتطرح عليهم أسئلة مباشرة من المواطنين حول قضاياهم اليومية: المرتبات، الخدمات، الأمن، الغلاء، البطالة. هذا النوع من البرامج يشكل قناة اتصال مباشرة بين الشعب والسلطة، ويعزز ثقة الجمهور في المؤسسات الحكومية. كما أنه يكشف عن مواطن الخلل قبل أن تتفاقم وتتحول إلى أزمات.

ثالثاً: تفعيل دور الإعلام في مكافحة الفساد
إنشاء وحدات تحقيق صحفي متخصصة في ملفات الفساد المالي والإداري، مع توفير الحماية القانونية للصحفيين الذين يخوضون في هذه الملفات. لا يمكن محاربة الفساد في غياب عين رقيب، والإعلام هو العين الأكثر قدرة على رصد الانتهاكات وكشف المخالفات.

رابعاً: مواجهة الإشاعات والمعلومات المضللة
تخصيص مساحة إعلامية للرد على الشائعات والمعلومات المضللة، ونشر الحقائق الموثقة بشكل سريع يحول دون تأليب الرأي العام واستغلاله من قبل أطراف تعمل ضد المشروع الوطني. فالرد السريع والشامل على الإشاعات يقطع الطريق على من يستغلون حالة الغضب الشعبي لتمرير أجنداتهم.

خامساً: بناء جسور الثقة بين الجمهور والإعلام
العمل على استعادة ثقة المواطن بالإعلام عبر تقديم محتوى صادق وموضوعي يعكس هموم الناس الحقيقية، لا عبر الصورة المثالية الزائفة التي لا تخدم لا السلطة ولا المواطن. فالإعلام الذي يخفي الحقيقة عن الناس يفقد مصداقيته، وعندما يفقد مصداقيته يصبح عديم الفائدة في أي مشروع وطني أو إصلاحي.
في الختام، إن النهوض بالإعلام الوطني ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية وأداة حاسمة في مكافحة الفساد ودعم القرار الرشيد. الإعلام القوي هو سند للسلطة، وليس مهدداً لها، وهو الجسر الذي يصل بين الشعب وحكومته. وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتتشعب التحديات، يصبح الإعلام الحر المسؤول أحد أهم عوامل نجاح مشروع بناء الدولة، وأحد أبرز ضمانات استقرارها واستدامتها.


طباعة