سيناريوهات الابتزاز البحري.. ومعادلة الردع التي أسقطت منطق الوصاية

سيناريوهات الابتزاز البحري.. ومعادلة الردع التي أسقطت منطق الوصاية

لم يعد العالم قادراً على إخفاء الانفصام بين الخطاب الرسمي عن "القانون الدولي" وبين التطبيق الفعلي على الأرض، ففي منطقتنا العربية والإسلامية تحولت المواثيق إلى أدوات مطاطية تُفصّل حسب النفوذ والمصلحة، لا حسب الحق والعدالة،

وأصبحت المعايير المزدوجة هي القاعدة شرعنة للحصار على الشعوب، وتبرير للاعتداء على المدنيين، وتجريم لكل من يقاوم.
تتجلى هذه المنظومة في أبشع صورها في غزة واليمن وإيران. حصار شامل وعقوبات جماعية تُغلف ببيانات "شرعية"، بينما تُترك الكوارث الإنسانية التي تطال الغذاء والدواء والعلاج بلا مساءلة، وعندما يتعلق الأمر بالبنى التحتية المدنية، يرتقي القصف والتضييق إلى مرتبة "الحق السيادي"، وهكذا تم الحديث عن استهداف مطار صنعاء الدولي ومنع المرضى والمسافرين اليمنيين من السفر وكأنه إجراء أمني عادي، فيما اختُزلت معاناة آلاف الجرحى إلى مجرد رقم في معادلات السياسة.
وفي المقابل، بمجرد أن تمارس الشعوب المظلومة حقها في الدفاع عن النفس وكسر الحصار، تُشهر في وجهها قواميس جاهزة "جريمة حرب"، "تهديد للملاحة"، "إرهاب"، ويُحاكم رد الفعل ويُتجاهل السبب عدوان مستمر منذ أكثر من 12 عاماً، واحتلال، وحصار خانق، حتى الدفاع المشروع عن الأرض والكرامة أُعيد تعريفه ليصبح "عملاً لميليشيات خارجة عن القانون"، بينما يُوصف قتل المدنيين اليمنيين والفلسطينيين واللبنانيين بأنه "نضال وحماية مصالح".
هذا العبث بالمصطلحات هدفه واحد تجريد الشعوب من حقها في المقاومة، وإجبارها على القبول بالأمر الواقع، وقد كشفت السنوات الأخيرة أن النظام الدولي بصيغته الحالية لم يعد مظلة للضعفاء، بل غطاء للمعتدي ومشنقة للضحية، وفي هذا السياق يأتي اليوم الترويج لـ "تحالفات بحرية جديدة" تحت لافتة "أمن الملاحة" وتزامن الإعلان عنها مع حوادث مثل استهداف مسيرة لسفينتين في ميناء دمياط، والمسارعة باتهام أطراف بعينها قبل اكتمال التحقيقات، إنها هندسة ذرائع واضحة ابتزاز سياسي يهدف لاستدراج مصر ودول الإقليم للدخول في تحالف يخدم في جوهره الأجندة الأمريكية والصهيونية في البحرين الأحمر والمتوسط، ويضرب الركائز السيادية للدول الفاعلة.
لكن التطورات الرسمية أربكت هذا السيناريو، حيث أكد مجلس الوزراء المصري أن التحقيقات جارية وأن حركة الملاحة في دمياط مستمرة بكامل طاقتها، دون الانجرار خلف الروايات المسبقة، كما أظهرت المباحثات توجهاً عربياً يرفض الاعتداء على المنشآت المدنية ويتمسك بخفض التصعيد والحلول السياسية، ما أفقد قوى الاستكبار ورقة الضغط التي راهنت عليها.
والتجربة الميدانية أثبتت من قبل فشل هذا المسار، فقد سبق لواشنطن وحلفائها أن حشدوا أساطيلهم في "تحالف حارس الازدهار" وغيره لكسر الحظر اليمني على ملاحة العدو الصهيوني، ولفرض الهيمنة في البحر الأحمر، وكانت النتيجة عجز كامل عن حماية السفن المرتبطة بالاحتلال، وفشل في ردع الضربات اليمنية، وانتهى الأمر بأمريكا نفسها تطلب اتفاقاً مع القوات المسلحة اليمنية، فالتحالفات التي تبنيها واشنطن لا توفر أمناً، بل تحول البحار إلى ساحات صراع وتورط المشاركين فيها في حروب وكالة خاسرة.
أمام هذا الواقع ثبت اليمن معادلة صارمة "الحصار بالحصار"، فأي تصعيد شامل لخنق الشعوب أو فرض وصاية بحرية سيُقابل بتصعيد مماثل وهي معادلة تعكس إدراكاً استراتيجياً بأن المواجهة الإيجابية هي السبيل الوحيد لإسقاط أدوات الابتزاز، والعالم اليوم أمام حقيقة واحدة لا تقبل التجميل قاموس النفاق السياسي سقط، والتحالفات المبنية على التضليل لم تعد قادرة على خداع الشعوب، فالذي يفرض الحصار والعدوان هو من يهدد الملاحة والتجارة، لا من يدافع عن حقه في الحياة والكرامة، ومهما تعددت سيناريوهات الاستدراج والضغط، فإن ثبات اليمن، وتماسك محور المقاومة، ووعي الدول العربية بسياداتها، سيبقى الصخرة التي تتحطم عليها كل مشاريع الهيمنة، فالحق لا يستمد مشروعيته من هيئات متواطئة، بل من عدالة القضية ومن إرادة شعوب قررت أن تقول: كفى والحق يعلو ولا يُعلى عليه.


طباعة