الحصار بالحصار.. اليمن يكسر قواعد اللعبة

الحصار بالحصار.. اليمن يكسر قواعد اللعبة

شهدت الساحة الإقليمية تحولاً استراتيجياً نقل المواجهة من حدود التراشق العسكري إلى قلب شبكات الاقتصاد العالمي ومعادلات الطاقة، فلم يعد المشهد محكوماً بجغرافيا ضيقة، بل امتد من مضيق باب المندب إلى التأثير المباشر على حركة شحن النفط عبر مضيق هرمز،

وهذا الواقع الجديد يفرض القوات المسلحة اليمنية كفاعل رئيسي غير قابل للتجاوز في معادلات الردع والتوازن الإقليمي.
ينبع هذا التحول الجذري من لحظة فارقة فرضتها المظلومية الإنسانية، فبعد سنوات طويلة من الحصار الاقتصادي والتجويع وحرمان اليمنيين من أبسط مقومات الحياة، وصل الشعب إلى نقطة الصفر، واللجوء إلى خيار "كسر الحصار" لم يكن خياراً هجومياً، بل اضطراراً شعبياً رافضاً للموت البطيء، فالقيادة ترجمت إرادة ملايين المواطنين الذين طال الاستهداف قوتهم اليومي ومنافذهم الحيوية.
من هنا تحولت المعركة من دفاع مجرد إلى استراتيجية هجومية تستهدف الشرايين الاقتصادية وموانئ التصدير للطرف الآخر. الرسالة واضحة: كلفة التجويع لن تبقى محصورة بجانب واحد.
أضفى الانتقال المباشر نحو المنشآت الحيوية حساسية فائقة على المشهد، ففي الوقت الذي راهنت فيه قوى دولية على تأمين البدائل عبر موانئ البحر الأحمر لتفادي تعقيدات مضيق هرمز، جاءت الضربات المكثفة لتطال منشآت نفطية وموانئ تصدير رئيسية مثل ينبع وجيزان، حيث نفذت القوات المسلحة اليمنية عمليتين بدقة عالية تجاوزت المنظومات الدفاعية الغربية التي تعتمد عليها الرياض، ووصلت الصواريخ والمسيرات إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر - الشريان البديل لخطوط أنابيب النفط - ووجهت ضربة قاسية لأهم نقاط القوة الاقتصادية للسعودية، كما اشتعلت النيران في أهداف استراتيجية بأرامكو في جيزان، وهذا الاستهداف يرسل إشارة صريحة لأسواق الطاقة العالمية الاستقرار والاستثمار كتلة واحدة، إما أن تنعم بها المنطقة برفع الحصار عن اليمن، أو أن تطال تبعات الاضطراب كل الأطراف دون استثناء.
على الصعيد الدولي، كشف التصعيد حجم الحيرة لدى القوى الغربية وعلى رأسها واشنطن، حيث أثبتت التطورات الميدانية محدودية خيارات الضغط العسكري أمام شعب اتخذ قرار المواجهة الشاملة لاستعادة حقوقه، كما أن الاستنزاف المتزايد لمنظومات الدفاع الجوي يشكل حرجاً استراتيجياً لصناع القرار الأمريكي في ظل التنافس مع الصين وروسيا، فمحاولات بناء تحالفات بحرية أو الاعتماد على مظلات حماية خارجية أثبتت عجزها عن حماية البنية التحتية، والواقع الميداني يقول إن إرادة الشعوب المدفوعة بضغط المعاناة تفوقت على سنوات التضييق الاقتصادي.
أثبت الميدان أن استراتيجية محاصرة الموانئ اليمنية وحرمان الشعب من الوقود لم تعد تمر دون ثمن، فمقابل كل قيد على اليمن، نجحت القوات اليمنية في فرض "حصار بحري مقابل" وشل حركة التجارة المرتبطة بالعدوان في البحر الأحمر وباب المندب، وهذا ما جربته اليمن من قبل أثناء الاشتباك مع الأمريكي والبريطاني والإسرائيلي، وأخذت فيه زمام المبادرة، واليوم يتكرر المشهد ارتباك سعودي مقابل صمود يمني، وتطور مستمر في القدرات الدفاعية والهجومية فرضاً للسيادة وكسراً للحصار.
المسارات الممتدة من البحر الأحمر إلى خطوط التجارة الدولية، تؤكد أن الرهان على عامل الوقت أو التهدئة المؤقتة لم يعد قائماً، والرسالة اليمنية الصريحة استمرار خنق اليمنيين سيقابله تصعيد يحول المرافق الاستراتيجية في المملكة إلى ساحة اشتباك مفتوحة، ومسار الحل الوحيد يمر عبر إنهاء الحصار بشكل كامل وشامل، والاعتراف بتوازن الردع الجديد الذي فرضته البنادق والصواريخ اليمنية، فإما أمن للجميع، أو اضطراب يطال الجميع، واليمن اليوم لا يتسول السلام.. اليمن يفرضه.


طباعة