الوصاية القاتلة

الوصاية القاتلة

في خضم النزاع العسكري الإقليمي الواسع الذي اندلع في فبراير من عام 2026، وقف العالم على حقيقة جيوسياسية صادمة ومؤلمة للأنظمة العربية في الخليج والأردن؛

حيث تبين أن القواعد العسكرية الأمريكية التي ظنوا طويلاً أنها درع لحمايتهم، تحولت إلى مجرد أداة لاستنزاف طاقاتهم وتجريدهم من سيادتهم، لسان حالها يقول لداعميها: "جبانٌ بالأمس، وطائشٌ اليوم، ومفلسٌ غداً". لقد كشفت المواجهة عن نموذج مالي وعسكري فج يُعرف في العلوم السياسية بـ "خارجنة التكاليف والأضرار"، حيث تدير واشنطن عملياتها العسكرية باهظة الكلفة بنحو مليار دولار يومياً على حساب حلفائها المضيفين، في حين تتركز المكاسب الجيوسياسية في البيت الأبيض وحكومة تل أبيب، وتظل التبعات الاقتصادية والأمنية محصورة في المنطقة. وتكفي الإشارة هنا إلى أن دول الاستضافة وجدت نفسها تتحمل العبء المالي الأكبر عبر تغطية التكاليف التشغيلية وإعادة إعمار ما دمرته الضربات الصاروخية على المنشآت العسكرية الأمريكية، وتحمل كلفة نشر القوات والخدمات اللوجستية، في معادلة غير متكافئة تفقد فيها الدول العربية ثرواتها من أجل توفير الحصانة لترسانة أجنبية تحتل أراضيها.
والأكثر إثارة للقلق والتحليل هو ذلك الدور غير الأخلاقي الذي أُجبرت عليه الدفاعات الجوية لجيوش المنطقة، بعدما تحولت إلى دروع اعتراضية لحماية القواعد الأمريكية والمنشآت التابعة لها بدلاً من الذود عن السيادة الوطنية؛ إذ استهلكت دول المنطقة جزءاً هائلاً من مخزونها من الصواريخ الدفاعية الثمينة كمنظومات "باتريوت" لصد ضربات إيرانية لم تكن تستهدف أراضيها بالأساس بل كانت موجهة نحو منصات العدوان الأمريكية، مما مثل استنزافاً عسكرياً ممنهجاً للقدرات العربية لصالح تأمين الأجندة الأمريكية والإسرائيلية المشتركة. ولم تسلم من هذا الابتزاز حتى تلك الدول التي حاولت التمسك برداء الحياد كعُمان، لتجد نفسها تحت طائلة التهديدات السياسية والاقتصادية لترامب، الذي لا يعترف بالسيادة المحلية بل بلغة الإخضاع المطلق القائمة على مبدأ "إما معنا أو ضدنا". إن هذه الحرب برهنت بوضوح على أن القواعد الأمريكية ليست صمام أمان بل هي عبء أمني واقتصادي، وأن الأنظمة التي تفرط في جزء كبير من ناتجها المحلي الإجمالي على صفقات التسلح الغربية تجد نفسها في النهاية عاجزة أمام التهديدات غير المتناظرة، وتابعة لسياسات واشنطن التي تسلبها القرار الوطني في اللحظات الحاسمة.
إن المخرج الاستراتيجي الوحيد والملح أمام هذه الأنظمة لضمان بقائها واستقرارها هو التوجه الفوري نحو "الحياد الإيجابي"؛ فإذا كانت غير قادرة على تفكيك هذه القواعد أو طردها فوراً، فمن الواجب الوطني والأخلاقي ألا تتحول دفاعاتها وجيوشها إلى حراس يحمون الاحتلال من دفع ضريبة مغامراته الطائشة. إن رفع الغطاء الدفاعي عن هذه القواعد وتركها تواجه مصيرها هو الخطوة الأولى لاستعادة الكرامة السيادية وحماية الأمن القومي العربي من مغبة الانجرار وراء سياسات ترامب التدميرية التي تبتز ثروات المنطقة لحساب أمن إسرائيل. إن البدائل السياسية متاحة وتبدأ بإعادة صياغة العقيدة الدفاعية وتنوع الشراكات الدولية مع قوى كبرى كالصين وروسيا، والتوجه بجرأة نحو حوار إقليمي مباشر وبناء مع الجوار الإسلامي في طهران لضمان الأمن الإقليمي المشترك. لقد حان الوقت لتدرك العواصم العربية أن الصفقة الأمريكية المعاصرة هي "حماية واهية" في مقابل "سيادة وثروة ذاهبة"، والبدء فوراً في إنهاء ارتهان الذات لتكون دولاً سيدة على أرضها وقرارها بدلاً من كونها مجرد ساحات مستنزفة في حروب الآخرين.


طباعة