القادة العظماء المجهولون"عندما يلتقي التواضع بالأخلاق في ساحات القيادة"

القادة العظماء المجهولون"عندما يلتقي التواضع بالأخلاق في ساحات القيادة"

في زمن باتت فيه الرتب العسكرية تحصّن أصحابها خلف جدران البروتوكول، وبات التواصل مع المرؤوسين مجرد إجراءات شكلية، تبرز بين الفينة والأخرى نماذج قيادية نادرة تعيد إلى الأذهان عصر الخلافة الراشدة، حين كان القائد أقرب إلى جنده منه إلى عرشه.

هذه النماذج تذكّرنا بأن القيادة العسكرية "ليست مجرد موهبة فطرية، بل هي مهارات يمكن تعلمها وتطويرها من خلال التعليم والتدريب المستمرين، وفي مقدمتها التواضع والقدوة".
ثلاثة من هؤلاء القادة، عرفتهم عن كثب، وأحرجني تواضعهم أكثر من مرة، وجعلوني أعيش لحظات وكأنني في عصر الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - حيث كان القائد يشارك جنده الطعام والشراب، ويتفقد أحوالهم، ويعرفهم بأسمائهم، ويبكي معهم قبل أن يبكوا.

العميد الركن محمد شيزر: قائد يزرع الأمل في جروح الوطن
عندما يُذكر اسم العميد الركن محمد شيزر مدير الكلية الحربية، لا يتبادر إلى الذهن ذلك القائد الذي يقبع خلف مكتبه الفخم، بل صورة الرجل الذي يترك مقر قيادته ليزور الجرحى في المستشفيات، ويتفقد المرابطين في الجبهات، وينقل إليهم تحيات القيادة الثورية والعسكرية العليا. في زياراته العيدية، لم يكن العميد شيزر مجرد مسؤول يؤدي واجبًا بروتوكوليًا، بل كان أبًا حنونًا يلمس جراح المقاتلين، ويرفع معنوياتهم بكلماته الصادقة. حين قال: "اليمن سيظل مقبرة للغزاة وسيبقى حرًا مستقلاً طاهرًا من دنس الاحتلال ومرتزقته"، لم تكن الكلمات مجرد شعار، بل كانت نابعة من إيمان راسخ بأن القيادة الحقيقية تبدأ من حيث تنتهي الرتبة، وتبدأ حيث يبدأ الألم. في علم النفس العسكري، يُعرف القائد الناجح بأنه من يمتلك "قدرة على التأثير في المرؤوسين، وتحفيز طاقاتهم، والوصول بهم إلى حد القبول بالموت في سبيل تحقيق الهدف". وهذا ما يفعله العميد شيزر بتواضعه الجم، حين يشارك جنوده لحظات الفرح والحزن، ويصبح قدوة لهم في الميدان قبل أن يكون قائدًا لهم في المكتب.

العميد حقوقي محمد العظيمة: حين تكون العدالة سلاحًا ودرعًا
في عالم تختلط فيه الدماء بالحبر، يأتي العميد حقوقي محمد العظيمة، مدير دائرة الشؤون القانونية بوزارة الدفاع، ليثبت أن القيادة ليست حكرًا على أصحاب النجمة والسيف، بل تمتد لتشمل أولئك الذين يحملون راية القانون والعدالة في قلب المعركة. في أحد المواقف التي لا تُنسى، كان العميد العظيمة يجلس مع مجموعة من الضباط والجنود الذين قدموا له شكوى، لا يفرق بين كبير وصغير، ولا ينظر إلى الرتبة قبل أن ينظر إلى الحق. كان يستمع للجميع باهتمام، ويطرح الأسئلة، ويطلب التوثيق، ثم يخرج بقرارات قانونية صارمة لا تحابي أحدًا. في علم النفس الاجتماعي العسكري، يُعد الشعور بالعدالة من أهم الدوافع التي تحافظ على تماسك الوحدة العسكرية ورفع معنويات منتسبيها. والعميد العظيمة يدرك ذلك جيدًا، فهو يرى في القانون ليس مجرد نصوص جامدة، بل أداة لحماية المقاتلين، وضمان حقوقهم، ورفع الظلم عنهم. وكما يقول علماء النفس العسكري: "العدالة في توزيع الأعباء، وغياب الفجوة الطبقية بين القيادة والمرؤوسين، هو الأساس الثابت لأي استقرار سياسي وعسكري".

العميد الركن إسماعيل صلاح: قائد السرية الذي يصنع القادة
في رحاب الكلية الحربية، حيث يُصنع الرجال وتُغرس القيم، يقف العميد الركن إسماعيل صلاح قائدًا لسرية، لكنه في الحقيقة أكبر من منصبه بكثير. هو ذلك القائد الذي لا تهمه الرتبة بقدر ما تهمه الرسالة، والذي يرى في كل جندي ليس مجرد مقاتل، بل بذرة قائد مستقبل. في علم القيادة العسكرية، هناك فرق جوهري بين "المدير" و"القائد": "المدير له قوة الموقع الرسمية، بينما القائد له قوة التأثير الشخصية. صفات المدير بمعظمها مكتسبة، بينما صفات القائد بمعظمها تُخلق معه. المدير دائمًا خلف مكتبه، بينما القائد دائمًا في المقدمة". وهذا هو العميد صلاح تمامًا؛ فهو ليس مجرد مدير سرية، بل هو قائد يسبق جنوده في التدريبات، ويشاركهم في التحديات، ويعيش معاناتهم قبل أن يطلب منهم التضحية. في أحد الأيام، عندما كنت مدرسًا في الكلية الحربية ورفعتُ إليه كشفًا بالطلبة المتعثرين في الدراسة والمطالبة بحجزهم من إجازة الأسبوع، نظر إليَّ بعين الأب الحنون الذي ينتظر خروج ابنه في الإجازة الأسبوعية. لم يتحدث مع جنوده وطلاب الكلية عن الشجاعة في النظريات، بل كان يمارسها عمليًا، فالتواضع مع الجندي هو أسمى أنواع الشجاعة التي نسيها كثير من القادة اليوم.

الخلاصة: حين يعود القادة إلى جذورهم الإسلامية
ما يجمع هؤلاء القادة الثلاثة - كل في موقعه - هو هذا المزيج النادر بين المسؤولية العسكرية والخلق الإسلامي الأصيل. إنهم يعيدون إحياء سيرة الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - حين كان القائد يرى في جنوده إخوانًا له، وحين كان يشاركهم آلامهم وآمالهم، وحين كان العدل عنده أغلى من النصر نفسه. في اللحظة التي شعرتُ فيها بالإحراج أثناء زيارتي للعميد محمد شيزر، وهو وزملاؤه من أعضاء لجنة القبول للالتحاق بالكلية، كانت تلك اللجنة في المستشفى العسكري، طلبتُ من ضابط المكتب الاستئذان لمقابلة العميد محمد شيزر، وقد كنتُ قد انتقلت من الكلية إلى مركز الدراسات ببضع سنوات. وعندما سمع باسمي، قام واستقبلني وأقعدني في المكتب، وبعد الانتهاء من العمل رحب بي مرة أخرى وسألني: "ما في نفسك؟" طلبتُ منه عودة أحد الطلاب الفارين من الكلية، كما هو حال بعض الطلاب الذين يهربون لظروف تعيقهم فيها، وبنظرة الأب الحنون لذلك الطالب الذي جئت من أجله، أمر بعودته إلى الكلية. نحن نعيش زمنًا غير زماننا، ولكن هناك أمل في هذه الأمة ما دامت تنجب هؤلاء القادة في سراياها وكلياتها ودوائرها القانونية. القادة الحقيقيون ليسوا من يُعلن عنهم في النشرات العسكرية، بل هم من يُخلدهم التاريخ في قلوب من قادوهم. وهؤلاء الثلاثة - العميد شيزر، والعميد العظيمة، والعميد صلاح - هم من هذا النوع النادر الذي تستحق القيادة العسكرية العليا أن تفخر به، وأن تراه نموذجًا يُحتذى به في مدرسة القيادة التي تخرج منها الرجال. في النهاية، وفي زمن الفجوة الطبقية الصارخة بين القائد والجندي، تظل هذه النماذج القيادية النادرة هي الأمل في إصلاح المؤسسة العسكرية واستعادة روح الأخوة والتكافل التي كانت سمة من سمات القيادة الإسلامية الخالدة.


طباعة