كيف حطمت معادلة "الخنق البحري المزدوج" غطرسة واشنطن وتل أبيب؟!

كيف حطمت معادلة "الخنق البحري المزدوج" غطرسة واشنطن وتل أبيب؟!

لم تكن جبهة الإسناد اليمنية التي انطلقت في الثامن عشر من أكتوبر 2023، بعد أحد عشر يوماً فقط من ملحمة "طوفان الأقصى"، مجرد رد فعل عسكري عابر أو تضامن مؤقت مع قطاع غزة المحاصر، إنها، بالقراءة الاستراتيجية لموازين القوى اليوم في منتصف عام 2026،

تمثل انعطافة تاريخية كبرى انتزعت مضيق باب المندب من يد الهيمنة الغربية، وحوّلته من ممر تجاري تقليدي تديره البوارج الأمريكية، إلى "رافعة جيو-إستراتيجية" وساحة ردع سيادية تفرض فيها صنعاء شروطها على المنظومة الدولية، رابطةً أمن الملاحة العالمية ارتباطاً عضوياً بوقف حرب الإبادة والعدوان الصهيوني على غزة.
بعد قرابة ثلاثة أعوام من المواجهة، تحول الاضطراب في البحر الأحمر من أزمة طارئة في سلاسل الإمداد إلى "وضع طبيعي جديد" عجزت الإدارات الغربية عن تفكيكه، مخلّفاً اضطراباً بنيوياً دائماً فرضته معادلة الردع اليمنية، ولا تزال آثاره باقية ومتصاعدة حتى اللحظة:
شلل الملاحة: توثق تقارير "الأونكتاد" تراجعاً مستداماً بنسبة تتراوح بين 55% إلى 60% في حركة العبور عبر باب المندب وقناة السويس مقارنة بما قبل أكتوبر 2023.
تغيير المسارات: اضطرار أكثر من 4000 سفينة حاويات سنوياً لتغيير مسارها نحو طريق "رأس الرجاء الصالح"، ما يضيف كلفة زمنية تصل إلى 14 يوماً لكل رحلة.
جنون الأسعار: قفز مؤشر "دروي" العالمي للشحن بنسبة 180% فوق المتوسط، بالتزامن مع ارتفاع أقساط تأمين مخاطر الحرب لتصل إلى 1% من قيمة السفينة للعبور الواحد..
هذا الحصار البحري ضرب عمق كيان العدو الصهيوني بشكل مباشر وموجع؛ إذ دخل ميناء "إيلات" (أم الرشراش المحتلة) في حالة شلل تام، وتراجعت إيراداته من 81 مليون دولار إلى الصفر تقريباً مطلع عام 2026م ومع تحويل الواردات عبر البحر المتوسط، ارتفعت كلفة السلع الآسيوية بنسبة 15% - 20%، ما أشعل فتيل التضخم داخل مجتمع المستوطنين، وشكّل ضغطاً وجودياً على حكومة كيان العدو لإنهاء تهديد البحر الأحمر بأي ثمن..تثبت التجربة الميدانية عجز التحالف الأمريكي الإسرائيلي عن التعامل مع القوة الفاعلة لليمن، التي ربطت ملاحة دول العدوان بوقف المجازر في غزة، فتحالف "حارس الازدهار" الغربي الذي ولد ميتاً في 2023م فشل تماماً في وقف الهجمات، بل أوقع البحرية الأمريكية في مصيدة استنزاف اقتصادي وعسكري غير مسبوق، تواجه فيه الصواريخ الاعتراضية التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات مسيَّرات يمنية مصنعة محلياً بكلفة زهيدة..وحتى عملية "رايدر الخشن" العدوانية عام 2025م، التي استهدفت بعض البنى التحتية، لم تكسر إرادة صنعاء أو تحد من قدراتها، بل على العكس، خرج اليمن من هذه المواجهة بدرس استراتيجي عمق قناعته بأن التأثير في التجارة العالمية واقع، والصمود أمام القصف الأمريكي ممكن ومضمون، وبين عامي 2023م و2026، تطورت قدرات القوات المسلحة اليمنية لتصبح قوة بحرية ضاربة قادرة على إصابة أهدافها بدقة على بعد يتجاوز 2000 كيلومتر، تجسيداً عملياً وعفوياً لعقيدة "الدفاع المتقدم" التي يتبناها محور المقاومة.
عقب ما سُمي بـ"عملية الغضب الملحمي" الأمريكية الصهيونية الغادرة في 28 فبراير 2026م، والتي استهدفت اغتيال قادة طهران، انتقلت المنطقة إلى مرحلة إستراتيجية مرعبة للغرب، وهي مرحلة "الخنق المزدوج": مضيق هرمز شرقاً، ومضيق باب المندب غرباً، فقد كانت هذه المعادلة هي الضربة المسدّدة التي قصمت ظهر أمريكا وإسرائيل، وأدخلت العالم بأسره في أزمة طاقة طاحنة وخانقة هزت أركان النظام الدولي برمته، وتوالت الأحداث سريعة لتثبت المؤشرات الميدانية والسياسية أن إيران وبقية دول محور المقاومة باتوا الرقم الأصعب الذي لا يمكن تجاوزه في الجغرافيا السياسية للمنطقة.
خلاصة القول: إن تفاهمات إسلام آباد وما تلاه الآن في سويسرا والهدوء الحالي قد يطولان أو يقصران، لكن القاعدة الإقليمية باتت ثابتة ومكتوبة بالدم والنار: "لا أمن للملاحة الدولية دون أمن غزة ولبنان وبقية دول المحور والمنطقة بشكل عام"، ومن يريد استقرار الممرات المائية عليه أن يدرك أن مضيق هرمز ومضيق باب المندب اليوم ليسا ورقة تفاوض ثانوية، بل عنوان لمعادلة ردع إقليمية جديدة يمسك اليمن والجمهورية الإسلامية وبقية أطراف المحور بمفاتيحها، ومن يراهن على تجاهلها سيكتشف أن كلفة التجاهل والمكابرة أعلى بكثير من كلفة الاعتراف بالواقع الجديد.


طباعة