رؤية بن سلمان 2030 ورهانه على حكومة عاجزة

رؤية بن سلمان 2030 ورهانه على حكومة عاجزة

عندما أطلق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مشروع "رؤية 2030"، بدا وكأن المملكة تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها الاقتصاد والاستثمار والاستقرار الإقليمي. غير أن الحرب على اليمن، التي استنزفت سنوات طويلة من الجهد والمال والسياسة، ما تزال تمثل أحد أكثر الملفات تعقيداً أمام تحقيق هذه الرؤية الطموحة.

فبعد أعوام من المواجهة، تبدو الرياض اليوم أمام واقع يختلف كثيراً عما خُطط له في بداية الحرب. إذ إن الحكومة التي ما تزال السعودية تراهن عليها، والمعروفة شعبياً بـ"حكومة الفنادق"، تعاني من أزمة عميقة في الحضور والتأثير داخل اليمن، رغم استمرار الاعتراف الدولي بها. فهذه الحكومة، التي تُدار أجزاء واسعة من نشاطها السياسي من خارج البلاد، لم تتمكن حتى الآن من بناء مؤسسات مستقرة أو فرض نفوذ فعلي على معظم الجغرافيا اليمنية .
الشرعية الدستورية لهذه الحكومة لا تقل هشاشة. فالبرلمان اليمني الذي تستند إليه “حكومة الفنادق” هو مجلس انتهت ولايته منذ عام 2009، وكان من المفترض أن يحل محله مجلس جديد، لكن الحرب على اليمن حالت دون إجراء الانتخابات. والأدهى من ذلك أن هذا المجلس نفسه منقسم بين صنعاء والرياض، حيث يؤكد الدستور اليمني أن "المقر الرسمي لانعقاد مجلس النواب هو العاصمة صنعاء، ولا يجوز نقل انعقاد المجلس خارج العاصمة إلا لظروف محددة”. ورغم ذلك، مارست السعودية ضغوطاً لانعقاد المجلس في الرياض، في محاولة لتكريس انقسام مؤسسات الدولة اليمنية وتوفير غطاء دستوري وهمي لحلفائها.
ومع سقوط "حكومة الفنادق” ومجلس الرئاسة عملياً، تتكرّس سلطة صنعاء كعنوان للشرعية. باعتبارها القوة الأكثر تنظيماً وسيطرة على الأرض، سواء من حيث إدارة المؤسسات أو ضبط الأمن أو التأثير السياسي والعسكري. وهذه الحقيقة، بغض النظر عن المواقف السياسية منها، أصبحت جزءاً من المشهد الذي يصعب تجاهله عند الحديث عن مستقبل اليمن أو أمن المنطقة.
المفارقة أن استمرار الانقسام اليمني لم يعد عبئاً على اليمنيين وحدهم، بل تحول تدريجياً إلى تحدٍ مباشر للمصالح السعودية نفسها. فالمملكة التي تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها مركزاً عالمياً للاستثمار والسياحة والتكنولوجيا، تحتاج قبل كل شيء إلى بيئة إقليمية مستقرة وحدود آمنة. وأي مشروع اقتصادي بحجم "رؤية 2030" لا يمكن أن يزدهر في ظل نزاع مفتوح ومكلف على حدودها الجنوبية.
كما أن حالة التشظي داخل المعسكر المناهض لصنعاء زادت المشهد تعقيداً، خصوصاً مع تصاعد الخلافات بين القوى الحليفة للرياض في الجنوب، الأمر الذي كشف محدودية قدرة الحكومة المعترف بها دولياً على إدارة المناطق الخاضعة لها أو توحيد القوى المنضوية تحت مظلتها.
وعلى المستوى القانوني والسياسي، تواجه هذه السلطة أيضاً إشكالات متزايدة تتعلق بشرعية المؤسسات التي تستند إليها، في ظل الانقسام البرلماني وتعثر العملية السياسية منذ سنوات. وهو ما يجعل أي تسوية مستقبلية بحاجة إلى مقاربة أكثر واقعية تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى الفعلية داخل اليمن، لا الاكتفاء بالأطر الشكلية التقليدية.
لهذا، تبدو الحاجة ملحّة أمام الرياض لإعادة تقييم استراتيجيتها في اليمن بعيداً عن الحسابات القديمة. فالحلول المؤقتة لم تعد قادرة على إنهاء الأزمة، كما أن سياسة إدارة الصراع أثبتت محدوديتها في تحقيق الاستقرار أو حماية المصالح بعيدة المدى.
إن الطريق الأقصر نحو استقرار المنطقة لا يمر عبر إطالة أمد الانقسام، بل عبر حوار مباشر وجاد مع القوى الفاعلة على الأرض، والبحث عن تفاهمات قائمة على المصالح المشتركة واحترام السيادة وعدم التدخل في اليمن، فالحرب التي استمرت لأكثر من عقد، تسببت في أضرار جسيمة للبنية التحتية اليمنية وحصدت أرواح الآلاف. وهذا يستوجب جبر الضرر والتعويض العادل، وهي مطالب تطرحها حكومة صنعاء باستمرار، كما في بياناتها الأخيرة التي شددت على ضرورة "جبر الضرر وسحب آخر جندي سعودي محتل من اليمن".
فاليمن بحكم الجغرافيا والتاريخ سيظل العمق الجنوبي الحساس للسعودية، وأي استقرار دائم في المملكة يرتبط بصورة وثيقة باستقرار اليمن نفسه.
وفي الختام: على محمد بن سلمان أن يختار بين الاستمرار في أوهام السيطرة على اليمن عبر عملاء لا يمثلون أحداً، وبين الرؤية الواقعية التي تضع اعترافاً جريئاً بحكومة صنعاء أساساً لعلاقات ندية ومستقرة تضمن للطرفين الأمن والرخاء.


طباعة