ارتفاع أسعار الأدوية.. أزمة إنسانية تتفاقم واختبار حقيقي لمسؤولية الدولة
يواجه اليمنيون اليوم واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية في قطاع الصحة، حيث لم تعد معاناة المرض مقتصرة على الألم الجسدي، بل امتدت لتشمل عجزًا متزايدًا عن الوصول إلى الدواء والعلاج.
في واقع مقلق، تحوّل جزء من سوق الدواء إلى بيئة مضطربة تفتقر إلى الضبط والرقابة؛ إذ تُعرض أدوية قاربت على انتهاء صلاحيتها، وأخرى مهربة خارج الأطر القانونية، في ظل غياب البدائل الآمنة للمواطن. وفي المقابل، تشهد كلفة الخدمات الصحية في عدد من المستشفيات والعيادات الخاصة ارتفاعًا كبيرًا، سواء في الفحوصات أو العمليات أو الرقود، ما يضع المرضى وأسرهم أمام أعباء تفوق قدرتهم.
وتشير إفادات ميدانية إلى ممارسات تثير القلق، من بينها تقييد حصول المرضى على الأدوية داخل بعض المستشفيات، وإلزامهم بشرائها من صيدليات تابعة لها بأسعار أعلى من السوق، وهو ما يتطلب مراجعة جادة من الجهات المختصة لضمان حماية حقوق المرضى وتعزيز مبدأ المنافسة العادلة.
لطالما نادت وزارة الصحة عبر منصات التواصل الاجتماعي وفي هذه الصحيفة بتحمل المسؤولية، لكن الأفعال أثبتت أن هذه النداءات مجرد "زومل لك جنب أطرش" - كناية عن التهرب من المسؤولية والتغاضي عن المأساة. بينما يتسع الفساد الإداري ليطال أرواح اليمنيين، وتتحول محاربة الفساد من شعارات تطلقها القيادة إلى واقع يعيشه المواطن في معاناته اليومية.
لقد ناشد السيد عبدالملك الحوثي - قائد الثورة - مراراً وتكراراً بضرورة القضاء على تفشي الفساد الإداري، ومحاسبة كل مقصر في أداء الواجب الوطني، مؤكداً أن الدماء والأرواح أمانة في أعناق المسؤولين. لكن للأسف، تبقى هذه التوجيهات حبراً على ورق عندما لا تجد آذاناً صاغية في قطاع الصحة.
هذه التوجيهات تمثل أساسًا يمكن البناء عليه، لكنها تحتاج إلى تفعيل حقيقي عبر إجراءات واضحة وشفافة، تبدأ بتعزيز الرقابة على سوق الدواء، وضبط أسعار الخدمات الصحية، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو استغلاله لحاجة المرضى.
وعليه، فإن المرحلة الراهنة تتطلب تحركًا مسؤولًا وعاجلًا من الجهات المعنية، من خلال:
-تشكيل لجان رقابية ميدانية مستقلة للنزول إلى الأسواق والمنشآت الصحية.
- فتح تحقيقات شفافة في المخالفات المرتبطة بسوق الدواء والخدمات الطبية.
- وضع تسعيرة مرجعية واضحة للأدوية والخدمات الصحية والالتزام بتطبيقها.
- تشديد الرقابة على الأدوية المهربة وغير المطابقة للمواصفات.
ولأن حماية صحة المواطن واجب وطني دستوري وأخلاقي فإن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط حياة المرضى، بل يقوض الثقة في المؤسسات المعنية.
ولذلك فقد آن الأوان لتحويل التوجيهات إلى أفعال، ووضع حدٍ لمعاناة تتفاقم يومًا بعد آخر. فصحة اليمنيين أمانة، وأي تأخير في معالجتها فإن كلفته تكون باهظة على الجميع.