الجوف .. نموذج تحول استثنائي من حالة الفراغ الأمني إلى الانضباط المؤسسي الصارم
تعد التجربة الأمنية في محافظة الجوف، وتحديداً في مديريات برط (العنان، رجوزة، والمراشي)، نموذجاً استثنائياً في التحول من حالة الفراغ الأمني إلى الانضباط المؤسسي الصارم.
هذه التجربة التي تجلت في قلاع اليقظة القائمة على هضاب الجوف، سطرت ملحمة من الصمود الأمني والنزاهة، وبرزت فيها نقطة "جبل نعيمة" الاستراتيجية كعنصر محوري وفريد؛ فهي لم تكن مجرد حاجز عبور، بل كانت تشبه في هيبتها، وحزمها، ودقة ضبطها للمهربين والمخربين "نقطة الأزرقين" الشهيرة، حيث اضطلعت بمسؤوليات جسيمة كانت بمثابة إدارة شرطة متكاملة للمحافظة منذ عهد النظام السابق.
وخلال السنوات الماضية تحولت هذه المواقع بفعل الإرادة القيادية والروح الإيمانية إلى جدار صلب تحطمت عليه كافة محاولات الاختراق والعبث. فبعد عقود من التهميش، أصبحت نقاط برط مراكز تحليل ورصد سيادي، تمكنت بكفاءة عالية بقيادة قائد النقطة آنذاك "عقيل برط" وأفراد النقطة المخلصين من فرز وضبط العناصر التي تحاول الالتحاق بصفوف المرتزقة؛ حيث أظهرت تلك القيادة وأفراد الأمن في جبل نعيمة نباهة منقطعة النظير في كشف الأساليب الملتوية والتخفي الذي كان يلجأ إليه المجندون الجدد المتجهون نحو جبهات العدوان، مما أدى إلى تجفيف منابع التحشيد المعادية وحماية الشباب من الانزلاق في مستنقع الخيانة، وهو إنجاز لم يكن ليتحقق لولا وجود قيادة أمنية حكيمة استطاعت ربط الجانب الاستخباري بالعمل الميداني في آن واحد.
وفي سياق متصل، برز الدور الجوهري لهذه النقاط في تطهير مديريات برط وأجزاء واسعة من محافظة صعدة من الجريمة المنظمة؛ فخلال تلك الأعوام الحارقة، تحولت هذه المواقع إلى صمام أمان لضبط القضايا الجنائية الكبرى، من ملاحقة القتلة الفارين إلى استعادة المنهوبات، مما بث السكينة في نفوس القبائل والمواطنين الذين استشعروا لأول مرة منذ زمن طويل وجود دولة تحميهم وتضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه زعزعة الاستقرار. ولم يقتصر التميز الأمني على الجانب الجنائي، بل امتد ليكون الدرع الحصين ضد "حرب السموم" التي استهدفت الإنسان اليمني، حيث سجلت محاضر الضبط في تلك الفترة أرقاماً قياسية في إحباط محاولات تهريب المخدرات والحشيش التي كانت تتدفق عبر الصحاري والجبال، بالإضافة إلى كشف شبكات تهريب الأدوية التالفة والسموم الزراعية القاتلة، وهو جهاد أمني خاضه أفراد النقطة بكل استبسال.
أما على صعيد العمل الإنساني والرقابي، فقد مارست النقاط الأمنية في برط دوراً سيادياً ومسؤولاً في تتبع ورصد تحركات المنظمات الدولية، لضمان عدم انحرافها عن مسارها الإغاثي، فكانت تلك الرقابة حماية للسيادة الوطنية قبل أن تكون مجرد إجراء إداري. وما جعل هذه التجربة محل فخر واعتزاز، هو الجوهر الأخلاقي الذي تحلى به الأفراد وقيادتهم، فقد جسدوا بصدق قيم الإحسان في التعامل مع المسافرين، مترفعين بعفة منقطعة النظير عن كل الإغراءات والرشاوى الفلكية التي كان المهربون يعرضونها مقابل تمرير شحنات الموت، لتظل تلك السنوات شاهدة على أن اليقظة الأمنية حين ترتبط بالأخلاق والأمانة والقيادة الميدانية الحازمة، تصنع المعجزات وتدحر أقوى المؤامرات.