عزوف طلاب الثانوية عن التخصصات الإنسانية: أزمة صامتة تهدد مستقبل التعليم والهوية

عزوف طلاب الثانوية عن التخصصات الإنسانية: أزمة صامتة تهدد مستقبل التعليم والهوية

لم يعد مشهد قاعات أقسام اللغة العربية، والدراسات الإسلامية، والفلسفة، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم الاجتماع كما كان في السابق؛ فبعد أن كانت تعجّ بالطلاب، أصبحت اليوم شبه خالية، بل إن بعض هذه الأقسام أُغلقت فعليًا بسبب انعدام الإقبال.

ولم تعد هذه الظاهرة مجرد ملاحظة عابرة، بل تحولت إلى أزمة حقيقية تستدعي التوقف الجاد أمامها، خصوصًا في كليات التربية والآداب التي كانت تمثل الرافد الأساسي للمعلمين في المدارس.
ويبدو أن السبب الأبرز لهذا العزوف واضح ومباشر، ويتمثل في غياب فرص العمل؛ إذ أدى توقف التوظيف خلال العقد الأخير، بسبب العدوان والأزمة التي شهدتها اليمن، إلى إحجام طلاب الثانوية عن الالتحاق بهذه التخصصات. فلم يعد الطالب يرى فيها مستقبلًا مهنيًا واضحًا، ومع تزايد الضغوط الاقتصادية، أصبح التفكير السائد يتجه نحو البحث عن تخصص يضمن دخلًا سريعًا، مثل الطب والهندسة وغيرهما.
غير أن ما يغيب عن أذهان كثيرين، أو يتم تجاهله، هو أن هذا العزوف لا يمثل مشكلة آنية فحسب، بل هو قنبلة موقوتة قد تنفجر في وجه النظام التعليمي خلال السنوات القادمة. فمنذ عام 2010م وحتى اليوم، يشهد القطاع التعليمي حالة من الجمود في التوظيف، في مقابل استمرار خروج أعداد من المعلمين من الخدمة بسبب التقاعد أو الوفاة. ومع أي تحسن مستقبلي للأوضاع – وهو أمر متوقع – سيبرز عجز حاد في الكادر التعليمي، لا سيما في التخصصات الإنسانية.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: من أين سيتم توفير المعلمين؟ وكيف سيتم سد الفجوة في تخصصات أساسية كاللغة العربية، والتربية الإسلامية، والتاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، وعلم النفس؟ وهل يمكن تعويض هذا النقص في وقت قصير؟
إن إعداد المعلم ليس عملية آنية، بل يتطلب سنوات من التأهيل الأكاديمي والتربوي. ومن ثم، فإن استمرار هذا العزوف سيقود إلى أزمة مزدوجة: نقص في المعلمين من جهة، وتراجع في جودة التعليم من جهة أخرى، نتيجة الاضطرار إلى سد العجز بغير المتخصصين.
ولا يقف الأمر عند حدود التعليم فحسب، بل يمتد ليهدد الهوية الثقافية والمعرفية للمجتمع؛ فالتخصصات الإنسانية ليست مجرد مواد دراسية، بل هي التي تنمّي وعي الأجيال، وتعزز الانتماء، وتبني منظومة القيم. وبالتالي، فإن إضعافها يعني إضعاف البنية الفكرية والثقافية للأمة.
وما يحدث اليوم هو نتيجة مباشرة لغياب الرؤية الاستراتيجية في التخطيط للتعليم وسوق العمل؛ إذ لا يمكن ترك هذه التخصصات لمصيرها دون تدخل، ثم البحث عن حلول متأخرة بعد وقوع الأزمة. ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو تحرك عاجل من الجهات المعنية لإعادة الاعتبار لهذه الأقسام، إلى جانب توعية الطلاب بأهميتها ودورها في بناء المجتمع، وتحفيزهم على الالتحاق بها.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد عزوف طلابي، بل هو مؤشر على خلل عميق في منظومة التخطيط التعليمي. وإذا لم يتم تداركه في الوقت المناسب، فإننا سنجد أنفسنا أمام فراغ خطير في أهم قطاع يمس مستقبل الأجيال: قطاع التعليم.
فهل يدرك المعنيون حجم هذه الكارثة قبل فوات الأوان؟


طباعة