استراتيجية المقاومة وتآكل الطموح الصهيوني
وفي قلب هذه الملحمة التاريخية التي ترتسم معالمها فوق روابي الجنوب اللبناني، تتكشف فصول مواجهةٍ كبرى تجاوزت في أبعادها كُلَّ الحسابات التقليدية. وبينما يندفع الاحتلال بآلته مستخدمًا سياسة الأرض المحروقة لقضم الجغرافيا والوصول إلى ضفاف الليطاني،
تصطدم أوهامه بعقيدةٍ قتالية صلبة تحيل محاولاته إلى استنزاف سيادي ينهش ما تبقى من هيبة "الجيش الذي لا يُقهر".
على حافة القرى الأمامية، تحولت الأودية والروابي إلى مقابر للغزاة ودباباتهم. لقد واجه جيش الاحتلال حقيقة مُرَّة: فمن اصطفاهم كأفضل ما لديه من ألوية النخبة، وجدوا أنفسهم في قبضة مقاتلي الرضوان الذين يتنفسون تراب الأرض، محولين القرى الحدودية إلى كمائن صلبة لا تنكسر، حيثُ يُسحق الفولاذ تحت وطأة الإرادة، وتتبخر أوهام السيطرة السريعة أمام ضربات من مسافات الصفر.
لم تعد المعركة في الجنوب مُجَرَّد ذودٍ عن حدود، بل تحولت إلى حَرْبِ فَنَاءٍ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ؛ إذ تنتهج المقاومة استراتيجية الغمر، بفتح أبواب المستنقع أمام ألوية النخبة. من "كفر كلا" الصامدة إلى "الطيبة" الأبية، وُصُولاً إلى "دير سريان"، يتحرّك العدوّ في حقل من الألغام البشرية والكمائن المحكمة. لم يعد السؤال في غرف عمليات المقاومة: أين وصل العدو؟ بل: كم ترك خَلْفَهُ من رماد الآليات وأشلاء النخبة؟ إنها حرب منع الاستقرار التي تضع كيان الاحتلال أمام ثنائية مُرَّة: التراجع والهزيمة، أو الغرق في وحل النزيف المُسْتَمِرّ.
وفي السياق ذاته، يرتكز هذا الثبات على بنيان عسكري شديد التعقيد يعتمد نظام البقع الجغرافية، حيثُ تحول الجنوب إلى محاور قتالية لامركزية، كُلُّ بقعة تشكل جيشًا مصغرًا مكتفيًا بذاته، يمتلك نخبته وعتاده وصواريخه الموجهة التي ترصد دبيب النمل على الحدود. هذا النظام العبقري يضمن ديمومة القتال حتى في أحلك ظروف انقطاع التواصل؛ ما يعني أن العدوّ يواجه في كُلِّ كيلومترٍ جيشًا جديدًا بكامل طاقته ومعنوياته الكربلائية. ومع وفرة التجهيزات وسيطرة منظومة القيادة، تبدو جبهة المقاومة اليوم في ذروة عنفوانها.
أما المفاجأة التي أذهلت مراكز الأبحاث، فهي دخول المسيّرات الانقضاضية المتطورة. هذه الأشباح الطائرة مثلت قفزةً نوعية؛ إذ تتميز بقدرة فائقة على التخفي والانقضاض الجراحي، محولةً القواعد المُحَصَّنَة والدبابات المتوغلة إلى أهداف سهلة الاصطياد.
وفي الجبهة الخلفية للعدو، لم يكن الوضع أقل اشتعالًا، فقد ارتفعت وتيرة القصف الصاروخي محولةً مستوطنات الشمال من "كريات شمونة" نزولاً إلى "حيفا" وما بعدها، إلى مدن أشباح تحت حكم الصافرات. هذا الزخم اتسم بالدقة المتناهية والقدرة على شلّ عصب الاقتصاد، مما جعل العمق الصهيوني ساحة مكشوفة أمام صليات المقاومة التي لا تهدأ.
إن ما أربك دوائر القرار في كيان الاحتلال هو ذلك التناغم المذهل بين جبهات المقاومة؛ فقد تزامنت العمليات الصاروخية والميدانية للحزب مع الموجات الصاروخية القادمة من طهران واليمن، لتشكل كماشة استراتيجية أطبقت على العمق الصهيوني. وهذا التكامل يعكس مستوى عاليًا من التنسيق، حيثُ تتقاطع الصواريخ العابرة للحدود مع قذائف الكورنيت عند الحافة، لترسم مشهدًا من وحدة الساحات التي باتت كابوسًا يؤرق مضاجع الصهاينة.
وفي عمق هذه المعركة، تتجلى مشاهد الإعجاز الإلهي. ففي الأعراف العسكرية، تُصنف الراجمة ككيان وُلِدَ ليحترق بعد أول صلية في ظل الإطباق الجوي. بيد أن الميدان شهد إعجازًا باهرًا لمنصات حزب الله التي تعرضت لخمس محاولات اجتثاث مُحَقَّق، وفي كُلِّ مرة كانت تنفض عن كاهلها غبار القصف وتنهض من وسط الركام لتستأنف زئيرها، صامدة كأنها قُدَّت من طينة الخلود. وإن انبعاث هذه المنصات لخمس جولات لاهباتٍ هو بلاغ مبين بأن أُمَّةً تلوذ بكنف الخالق هي أُمَّةٌ عصية على الاجتياح، حيثُ يسخر الجبار الحديد لقلوب أخلصت له.
ورغم كُلِّ ما سبق ذكره، يظل السؤال الذي يؤرق ليل الصهاينة: ماذا يُخْبِئُ نصر الله في جعبته؟ إن الاكتفاء باستخدام صواريخ (فادي) ليس إلا رأس جبل الجليد؛ فالمقاومة لا تزال تحتفظ بترسانة الردع الاستراتيجي من صواريخ دقيقة لم تدخل الميدان بعد. وهذه هي سياسة النفس الطويل والغموض البناء التي تجعل العدوّ يرتعد من الحرب الشاملة خوفًا مما لم تره عيناه بعد.
وبينما يلهث قادة الاحتلال خلف صورة نصرٍ بائسة فوق أنقاض القرى، يثبت الميدان أن التوغل لا يزال حبيس شريط ضيق؛ فالخيام والقوزح وبنت جبيل تترقب بوقار الأسود تلك القوات التي لا تجرؤ على اقتحام العرين. إن حزب الله اليوم يَرْسُمُ خارطة نفوذ جديدة، فهو لا يخوض معركة حدود؛ لقد أثبت أن العقل المقاوم قادر على التفوق في عقر دار العدوّ، وأن القادم من الأيام لن يكون إلا صدىً لتكبيرات المقاتلين في القرى الأمامية، وزئير الصواريخ التي تنتظر إشارة البدء لفرض شروط النصر النهائي.