حكم بيع الأرض من غير بصيرة !!

حكم بيع الأرض من غير بصيرة !!

مصطلح البصيرة في اليمن يطلق على وثيقة بيع وشراء الأرض أو العقار، ومن المعلوم أن الغرض من تحرير البصيرة هو إثبات ملكية الحائز للعقار ، فقد استقر القضاء في اليمن على إثبات ملكية العقارات عن طريق الكتابة (البصيرة) تنفيذاً لأحكام قانوني التوثيق والسجل العقاري،

ويجب على من يريد التصرف بعقاره بالبيع أو غيره من التصرفات الناقلة للملكية أو الرهن أن يقدم البصيرة ، لكن الحال قد يتغير عند الخلاف بشأن وقوع بيع الأرض من عدمه وعندئذ يجوز إثبات انعقاد البيع في هذه الحالة بأية وسيلة من وسائل الإثبات، حيث يتم إثبات وقوع البيع وصدور الإيجاب والقبول وقبض الثمن بأية وسيلة، وعادة لا يتم تحرير البصيرة وقت البيع بل بعد ذلك كما قد لا يتم تسليم الأرض وقت صدور البيع، وفي بعض الحالات قد يقوم البائع أو ما في حكمه بتحرير سند يحكي: استلامه المبلغ ثمن الأرض المبيعة ويصرح بأنه ملتزم بأن يتم تحرير البصيرة وتسليم الأرض في وقت لاحق ، وهذه الإشكالية كثيرة الوقوع خاصة فيما يتعلق بأراضي الجمعيات السكنية وغيرها، وقد قضى الحكم محل تعليقنا بأنه لا يلزم إثبات البيع في هذه الحالة عن طريق البصيرة وحدها بل يجوز إثبات انعقاد البيع بأي من وسائل الإثبات، وهذا الحكم هو الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 31 /12 /2012م في الطعن رقم (46965)، وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم في : أن المدعي تقدم بدعوى أمام المحكمة الابتدائية مفادها: أنه اشترى من المدعى عليه أرضاً وتم الإيجاب والقبول وتحديد الأرض وقبض المدعى عليه الثمن وحرر سنداً بذلك تضمن التزامه بتسليم الأرض والمثول أمام الأمين الشرعي لتحرير البصيرة، إلا أن المدعى عليه لم يلتزم بذلك، وعند حضور المدعى عليه أمام المحكمة أفاد: بأنه قد باع كامل أراضيه الواقعة في تلك المنطقة لأن المشتري لم يتابعه باستكمال الإجراءات ، وقد توصلت المحكمة الابتدائية إلى الحكم بقبول الدعوى وإلزام المدعى عليه بتسليم المدعي قيمة الأرض بحسب سعر الزمان والمكان، وقد ورد ضمن أسباب الحكم الابتدائي أنه : ( لما كان الثابت استلام المدعى عليه من المدعي قيمة أربع لبن والتزامه بتسليم تلك المساحة وحيث ثبت عدم وفاء المدعى عليه بالتزامه، ولما كان المعلوم قانوناً بمقتضى المادة (221) مدني أنه في عقود المعاوضة الملزمة للمتعاقدين إذا لم يف أحدهما بالتزامه جاز للآخر أن يطالب بتنفيذ العقد أو فسخه مع تعويضه بما غرم في الحالتين، كما نصت المادة (337) قانون مدني على أنه يجب على البائع تنفيذ التزامه عيناً إذا كان ذلك ممكناً فإن كان ذلك غير مستطاع جاز للمحكمة الحكم عليه بتعويض عادل، ولما كان المدعى عليه قد أفاد بتصرفه بجميع الأرض ولم يعد تحت يده شيئاً وهو ما صادق عليه المدعي الذي طلب تسليمه الأرض أو قيمتها ، مما يقتضي الحكم للمدعي بقيمة الأرض المنتكلة وبحسب سعر الزمان والمكان وبحسب ما قدره العدلان المختاران من المحكمة اللذان توصلا إلى أن سعر كل لبنة هو....، ولذلك فقد أخذت المحكمة بهذا التقدير)، إلا أن الشعبة الاستئنافية قضت بإلغاء الحكم الابتدائي وإلزام المدعى عليه بتحرير بصيرة في الأرض محل النزاع وتسليمها للمدعي، وقد ورد ضمن أسباب الحكم الاستئنافي أن البيع للأرض محل النزاع قد وقع بالإيجاب والقبول وقبض الثمن فلم يبق إلا تسليم الأرض وتحرير البصيرة مما يستلزم تعديل الحكم الابتدائي والحكم بإلزام المدعى عليه بتحرير بصيرة الأرض المشار إليها وتسليم الأرض إلى المدعي تسليماً فعلياً ، وقد أقرت الدائرة المدنية الحكم الاستئنافي، حيث ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا (وحيث أن البين من الأوراق أن محكمة الموضوع قد بحثت وناقشت القضية وثبت لديها وقوع عقد البيع بين طرفيه البائع المدعى عليه الطاعن حالياً والمشتري المدعي المطعون ضده حيث تم بيع الأرض المدعى بها بيعا مستوفيا لأركانه وشروطه الشرعية والقانونية، ولما كان المقرر شرعاً وقانوناً أن العقد إيجاب من أحد العاقدين يتعلق به قبول من الآخر أو ما يدل عليهما على وجه يرتب أثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزام كل من المتعاقدين بما أوجب به للآخر، فلا يشترط أن يكون العقد بصيغة معينة أو شكل محدد بل المعتبر ما يدل على التراضي حسبما نصت عليه المادة (138) و (148) مدني، ويجوز إثباته بأية طريقة من طرق الإثبات حسبما ورد في المادة (136) مدني، وحيث لم يثبت انتكال الأرض بحكم شرعي وفقاً لأحكام المادتين (538 و 542) مدني فإن ما قضت به محكمة الاستئناف بتعديل الحكم الابتدائي كان صائباً)..

وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: عقد بيع العقار وآثاره:

عقد بيع العقار من حيث انعقاده ينعقد مثل غيره من العقود حيث ينعقد بالإيجاب والقبول والتراضي حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا الذي استند إلى أحكام عقد البيع المنصوص عليها في القانون المدني، فإذا تم العقد بالإيجاب والقبول وتوفرت أركانه وشروطه فقد ترتبت عليه كافة الآثار ومنها انتقال المبيع إلى ملكية المشتري والثمن إلى البائع واستكمال الإجراءات اللازمة بما فيها تحرير البصيرة، فإن لم يقم البائع بتسليم الأرض اختياراً وإن لم يقم المشتري بدفع الثمن اختياراً فإن القضاء يحكم بإلزامهما بذلك إذا طلب من القضاء ذلك تنفيذاً لأحكام الشرع ونصوص القانون، وعلى هذا الأساس فإن (البصيرة) ليست ركناً أو شرطاً لانعقاد عقد بيع الأرض أو العقار وإن كانت أثرا من آثاره.

الوجه الثاني: إثبات عقد بيع الأرض أو العقار:
ذكرنا في الوجه الأول أن البصيرة ليست ركناً أو شرطاً في انعقاد عقد بيع العقار وإنما وسيلة لإثبات ملكية العقار والدلالة على انتقال ملكية العقار إلى المشتري الحائز ،ولذلك يجوز إثبات انعقاد عقد البيع بأية وسيلة أخرى من وسائل الإثبات كالإقرار أو الشهادة مثلما وقع في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا، غير أن دور وسائل الإثبات الأخرى غير البصيرة تهدف فقط لإثبات انعقاد العقد بغرض حمل المتعاقدين على ترتيب آثار العقد واستكمال الإجراءات الإدارية التي تشترطها القوانين الأخرى مثل قانون التوثيق وقانون السجل العقاري كتحرير البصيرة أو وثيقة ملكية العقار بحسب النموذج المعد لذلك بالإضافة إلى تسجيل العقار أو وثيقة ملكيته في السجل العقاري علما بأن تحرير البصيرة يتم في وقت لاحق لانعقاد البيع حتى لو تم البيع بنظر الأمين الشرعي حيث يتم تدوين البيع في مسوّدة أو مسخرة الأمين ثم يتم تحرير البصيرة في وقت لاحق، وعلى هذا الأساس تظهر خصوصية بيع العقار عن غيره من البيوع حيث يظهر ذلك في الإجراءات الإدارية اللاحقة لانعقاده كتحربر البصيرة والتسجيل في السجل العقاري، فقد اقتضت طبيعة العقار هذه الإجراءات اللاحقة لانعقاده أما من حيث انعقاده فهو ينعقد مثل غيره من عقود البيوع حسبما سبق بيانه.

الوجه الثالث: موقع البصيرة ودورها في إثبات بيع العقار:
البصيرة هي الوثيقة التي حددها قانون السجل العقاري وقانون التوثيق لإثبات ملكية المشتري للعقار، وقد سبق القول أن تحرير البصيرة يتم في وقت لاحق لانعقاد البيع بالإيجاب والقبول، فالبصيرة هي المتطلب الأساس لبيع العقار حيث يوجب قانون التوثيق على الأمين الشرعي قبل انعقاد بيع العقار أن يتأكد من وجود البصيرة وأنها مسجلة لدى السجل العقاري وكذلك الحال بالنسبة للموثق في قلم التوثيق والمسجل في السجل العقاري، وقبل تحرير أي عقد بيع عقار أو توثيقه أو تسجيله يجب على المختصين التأكد من صحة البصيرة وسلامتها ومطابقتها للعقار المراد بيعه حسبما ورد في القانونين المشار إليهما، وبناءً على ذلك فإن البصيرة من أهم متطلبات بيع المالك للعقار فلا يستطيع المالك التصرف في العقار بالبيع أو غيره أو الرهن إلا بعد إثبات ملكيته للعقار عن طريق البصيرة، ولذلك لاحظنا أن الحكم محل تعليقنا قد قضى بإلزام المدعى عليه بتحرير البصيرة مع أن عقد البيع كان قد تم إثباته عن طريق إقرار البائع بالبيع وكتابته للسند الذي أقر فيه بأنه قد استلم ثمن الأرض، ونخلص من ذلك إلى القول: أن البصيرة هي الوسيلة الوحيدة لإثبات ملكية العقار الذي اشتراه المالك ولكنها ليست الدليل الوحيد لإثبات انعقاد عقد بيع العقار ، في حين أنها الدليل الوحيد لإثبات ملكية العقار عندما يريد المالك بيع العقار أو رهنه أو غير ذلك من التصرفات الناقلة لملكية العقار ، غير أنه يجوز إثبات انعقاد العقد بأية وسيلة من وسائل الإثبات حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.

الوجه الرابع: انتكال العقار المبيع قبل تحرير البصيرة:
قضى الحكم محل تعليقنا بأن انتكال الأرض لا يكون إلا بحكم شرعي حسبما ورد في المادتين (538 و 542) من القانون المدني، ولا يقبل الانتكال بمجرد قول البائع أو المشتري، إضافة إلى أن قول البائع في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا: بأنه قد باع أرضه كلها بعد أن باع أربع لبن منها للمشتري يجعل بيعه الثاني باطلاً، لأنه في هذه الحالة قد باع أرضاً لم تعد مملوكة له لسبق بيعها، والشرع والقانون يشترطا في البائع أن يكون مالكاً لما يبيع، ،ولذلك لاحظنا أن الحكم محل تعليقنا قد قضى بإلزام البائع بتحرير البصيرة للمشتري رغم إفادة البائع بأنه قد باعها للغير لأن الانتكال لم يثبت بحكم حسبما اشترط القانون.

الوجه الخامس: بيع أراضي الجمعيات السكنية:
تنتشر في اليمن ظاهرة الجمعيات السكنية حيث تضم كل جمعية مجموعة من الأشخاص يختارون من بينهم الممثل القانوني للجمعية السكنية الذي يباشر العقود والتصرفات نيابة عن أعضاء الجمعية، حيث يقوم بعض رؤساء الجمعيات السكنية بتحرير عقود أولية للمشتركين في الجمعيات السكنية تتضمن المساحة المحددة من الأرض العضو وقيمتها دون بيان موقع ومكان الأرض، ويقوم الأعضاء بدفع أقساط قيمة تلك الأرض، ففي هذه الحالة يكون الممثل القانوني للجمعية ملزماً بمتابعة مالك الأرض البائع للجمعية للوفاء بالتزامه ولا يكون الممثل القانوني نفسه في هذه الحالة ملزماً بتسليم الأرض إلى المشترك إلا إذا قام مالك الأرض بتسليمها إلى الممثل القانوني للجمعية أو كان تحرير عقد البيع الأولي أو تحرير سند استلام ثمن الأرض من المشترك في الجمعية قد تم والأرض المخصصة للجمعية قد تم تسليمها إلى الممثل القانوني للجمعية.

الوجه السادس: تكييف سند استلام قيمة الأرض:
من خلال المطالعة للحكم محل تعليقنا نجد أن البائع كان قد حرر سنداً بيد المشتري تضمن هذا السند أن البائع قد استلم مبلغ... ثمناً لأربع لبن من الأرض المملوكة للبائع الكائنة في... وتم تحديد موقع الأربع اللبن، وقد استند الحكم محل تعليقنا على هذا السند حيث اعتبره إقراراً من البائع بأنه قد باع الأربع لبن، وهو تخريج سديد حسبما سبق بيانه، لأن السند في هذه الحالة قد حدد الثمن والأرض المعينة والمحددة، ولكن التكييف يختلف حينما يقوم الشخص بتحرير سند استلام مبلغ معين لشراء أرض غير معينة فإن الأمر يختلف فإن كان الذي قام بتحرير السند مالكاً لأراضي قام ببيعها إلى الغير فإنه يكون ملزماً شخصياً بتسليم أرض لصاحب السند بحسب سعر الزمان والمكان وإن كان محرر السند مجرد وسيط أو عضو جمعية سكنية أو صاحب مكتب عقارات فإن التزامه يكون ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة ويجب عليه أن يثبت أنه قام بالبحث عن الأرض المطلوبة وأن مساعيه لم تفلح مع أنه قد بذل قصارى جهده، والله أعلم.
* الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء


طباعة