مشروع "إسرائيل الكبرى" يتحطم على صخرة محور المقاومة
في خضم المواجهة المفتوحة التي تعيشها المنطقة، تتكشف حقائق استراتيجية لا يمكن تجاهلها، حقائق تعيد رسم معادلات الصراع وتفضح طبيعة المشروع الصهيوني الذي يسعى منذ عقود إلى فرض هيمنته الكاملة على المنطقة تحت عنوان ما يُعرف بـ"إسرائيل الكبرى".
غير أن مسار الأحداث في السنوات الأخيرة، وبصورة أكثر وضوحاً في الأحداث الراهنة، يؤكد أن هذا المشروع يواجه اليوم تحديًا وجوديًا تقوده قوى المقاومة في المنطقة.
إن أولى هذه الحقائق تتمثل في أن الزمن لم يعد عاملًا لصالح المشروع الصهيوني كما كان يُظن. فكل ساعة إضافية من الصمود تُبديها الجمهورية الإسلامية في إيران، أو يُظهره حزب الله في لبنان، أو تثبته قوى محور الجهاد والمقاومة في مختلف ساحات المواجهة، تتحول عمليًا إلى ضربة مباشرة تستهدف قلب المشروع الصهيوني التوسعي. فالمشروع الذي بُني على فرضية التفوق المطلق والقدرة على الحسم السريع، يجد نفسه اليوم أمام جبهات صلبة قادرة على امتصاص الضربات ومراكمة عناصر القوة بمرور الوقت.
وفي السياق ذاته، تأتي الحقيقة الثانية حيث لم تعد أدوات الردع حكرًا على طرف واحد. فكل صاروخ ينطلق من إيران، وكل مسيرة تُطلق من لبنان أو العراق، لا يمثلان مجرد فعل عسكري محدود، بل يحملان دلالة استراتيجية عميقة؛ إذ يعكسان تحول ميزان القوة في المنطقة من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة توازن الردع متعدد الجبهات. هذه الضربات، مهما بدت محدودة في ظاهرها، تمثل في جوهرها تقويضًا تدريجيًا للأسس التي قام عليها مشروع "إسرائيل الكبرى".
أما الحقيقة الثالثة، فهي أن كل فشل أمريكي أو صهيوني في هذه المواجهة لا يُعد خسارة تكتيكية فحسب، بل هو انتصار معنوي واستراتيجي للأمة بأكملها. فالمعركة لم تعد محصورة بين أطراف محددة، بل أصبحت معركة وعي وهوية ومصير. ومن هنا فإن أي تعثر يصيب المشروع الأمريكي الصهيوني ينعكس أثره على مجمل الواقع العربي والإسلامي، حتى بالنسبة لتلك الحكومات التي اختارت الاصطفاف في صف العدوان، أو تورطت بشكل مباشر أو غير مباشر في دعم هذا العدوان.
إن المفارقة الكبرى تكمن في أن بعض الأنظمة التي تراهن اليوم على القوة الأمريكية والصهيونية لضمان بقائها، قد تكون في حقيقة الأمر أول المستفيدين من فشل هذا المشروع، لأن انتصار الهيمنة الصهيونية الكاملة لن يترك مجالًا لسيادة أو استقلال لأي دولة في المنطقة.
وبين هذه المعادلات المتشابكة، يبرز عامل حاسم يتمثل في إرادة الصمود لدى شعوب المنطقة وقوى المقاومة. فهذه الإرادة، التي صمدت في وجه الحروب والحصار والضغوط السياسية، أثبتت أنها قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وعلى قلب معادلات القوة التي طالما بدت ثابتة.
لذلك، فإن قراءة المشهد بعيدًا عن الضجيج الإعلامي تكشف أن ما يجري اليوم ليس مجرد جولة عسكرية عابرة، بل هو صراع تاريخي على شكل المنطقة ومستقبلها. وفي هذا الصراع، يتضح تدريجيًا أن مشروع الهيمنة الصهيونية يواجه واقعًا جديدًا: محور مقاومة يمتد عبر الجغرافيا، ويتسلح بالصبر والقدرة والفاعلية، ويؤمن بأن كل لحظة صمود إضافية هي خطوة أخرى نحو إسقاط مشروع "إسرائيل الكبرى".
وفي ضوء هذه المعادلة، يصبح واضحًا أن المعركة لم تعد سؤالًا عن إمكانية المواجهة، بل عن الزمن الذي يحتاجه هذا المشروع ليدرك أن المنطقة لم تعد كما كانت، وأن زمن الهيمنة المطلقة قد ولى.