المقاومة اللبنانية تغير قواعد اللعبة وتستهدف القلب النابض للعدو
يأتي التصعيد العدواني الصهيوني على جنوب لبنان في ظل اتهامات متبادلة بشأن مسؤولية خرق التفاهمات. بينما تشير الوقائع الميدانية إلى استمرار الغارات الصهيونية بوتيرة عالية، مما ينذر بتوسع دائرة المواجهة إذا لم يتم احتواء الموقف سياسياً وأمنياً.
في حين تمثل المرحلة الحالية اختباراً حقيقياً لمعادلة الردع القائمة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية على الحكومة اللبنانية، وسط انقسام سياسي حاد حول سبل التعامل مع العدوان الصهيوني ومستقبل سلاح المقاومة.
في غضون ذلك، وصفت الحكومة اللبنانية العمليات العسكرية التي تنفذها المقاومة الإسلامية بأنها "نشاط عسكري خارج إطار المؤسسات الشرعية"، معتبرة أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيد الدولة. وأعلنت الحكومة نيتها العمل على ضبط أي نشاط عسكري أو أمني خارج مؤسسات الدولة، مع تأكيدها التمسك بالمسار الدبلوماسي والاتصالات الدولية.
يأتي هذا الموقف الحكومي في وقت يتواصل فيه العدوان الصهيوني على مناطق واسعة من الجنوب اللبناني، وصولاً إلى البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. حيث شنت طائرات العدو غارات مكثفة استهدفت بلدات وقرى عدة، مما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى، إضافة إلى إلحاق أضرار جسيمة بالممتلكات والبنى التحتية. كما طالت الغارات مناطق في البقاع، بينها أطراف بعلبك، واستهدفت أيضاً محيط ملعب الراية في الضاحية الجنوبية، إلى جانب قصف متواصل لعدد من قرى الجنوب. وأصدر جيش العدو الصهيوني تهديدات باستهداف عشرات البلدات اللبنانية، ما أدى إلى موجة نزوح جديدة من القرى الحدودية باتجاه مناطق تُعتبر أكثر أماناً.
وفي موازاة ذلك، أعلنت المقاومة الإسلامية استئناف عملياتها العسكرية رداً على استمرار الاعتداءات وعدم التزام العدو الصهيوني بأي تفاهمات لأكثر من خمسة عشر شهراً. وأكدت أن عملياتها تأتي في إطار الرد المشروع على العدوان المتواصل واستهداف المدنيين والبنية التحتية. كما أن محاولات إسرائيل القيام بعمليات إنزال في المنطقة اللبنانية، رغم فشلها في المرات السابقة، تعكس حالة من الاستعجال العملياتي والغباء التكتيكي الإسرائيلي. وهي محاولة يائسة لإنقاذ ماء الوجه أو لاختبار قدرات المقاومة، بعد أول كمين لكن النتيجة كانت الفشل ذاته. هذا الفشل المتكرر يعني أن مفهوم "الضربة الجوية العميقة" أو "عملية الكوماندوس" الذي راهن عليه العدو قد تحطم تماماً على صخرة الاستعداد الدائم للمقاومة.
علاوة على ذلك، كانت عمليات المقاومة في العمق الإسرائيلي الأكثر دلالة وتأثيراً، حيث تجاوزت المقاومة كل السوابق لتستهدف البنية التحتية السيبرانية والاتصالاتية للعدو. فاستهداف محطة "وادي إيلا" هو بمثابة قطع شريان الاتصال، ويُعد الأبرز والأخطر في سياق المواجهة. هذه المحطة ليست موقعاً عسكرياً عادياً، بل هي المركز العصبي لأنظمة الاتصالات الفضائية في الكيان، حيث تربط الأقمار الاصطناعية العسكرية والتجسسية، وتغذي المعلومات إلى مراكز القيادة والتحكم والعمليات الهجومية والدفاعية. يؤدي تدمير هذا المركز إلى إحداث ارتباك هائل في نقل المعلومات، وتعطيل الاتصال بين وحدات الميدان ومراكز القرار، وإضعاف قدرة العدو على جمع المعلومات الاستخبارية وتوجيه الضربات. وهذا يؤكد أن المقاومة تمتلك قدرات استخبارية متطورة، وتخطط لضرباتها بعناية فائقة، ولا تترك شيئاً للصدفة، وأن كل شبر في فلسطين المحتلة أصبح ضمن مرمى صواريخها الدقيقة، ولم يعد هناك "عمق آمن" في إسرائيل.
وبالمقابل، انتقلت المقاومة من استهداف القواعد العسكرية والمستوطنات إلى استهداف البنية التحتية الحيوية للاتصالات والقيادة والسيطرة، وهي ضربة "شلل" بامتياز، تهدف إلى إعماء العدو قبل أن يفكر في أي مغامرة جديدة. فالاستخدام العلني والمؤثر للصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، والذي أجبر العدو على الاعتراف بوصول الضربة إلى العمق وإلى منشآت استراتيجية، يغير المعادلة بشكل جذري. لذا فقد أثبتت المقاومة اللبنانية أنها لا تكتفي بردع العدو، بل تسعى إلى إرباكه وشل قدرته على اتخاذ القرار؛ إنها معركة قطع الأعصاب التي تسبق أي مواجهة كبرى. فبينما كان العدو يحاول فرض معادلة "حرب المباني" على الحدود، كانت المقاومة تضرب الغرفة الرئيسية التي تُدار منها الحرب في العمق.
ختاماً، وبغض النظر عمّن اتخذ القرار باستئناف إطلاق الصواريخ والمسيّرات من الأراضي اللبنانية باتجاه الأراضي المحتلة، وبمواجهة قوات الاحتلال على الحافة الجنوبية مباشرة، مما يظهر الدولة اللبنانية في موقف العاجز، فمن الواضح جداً أن إسرائيل، خاصة بعد الذي أصاب إيران بدعم كامل ومفتوح من الولايات المتحدة الأمريكية، لا يلائمها مطلقاً أن تقبل بأقل من حلّ جناح حزب الله العسكري وتسليم كامل أسلحته للدولة اللبنانية. وذلك لأنها لن تغفر لنفسها أن تُلدغ مرتين، لأن ما يحدث على الحدود الشمالية للخليج يختلف تماماً عما حدث ويحدث على حدود شمال فلسطين المحتلة.