بساتين ومقاشم صنعاء القديمة .. من واحات خضراء إلى صحراء مهملة
في المقال السابق تحدثنا عن روحانية شهر رمضان في صنعاء القديمة، ولفتنا إلى عبق جامعها الكبير،وبقية جوامعها، ولو بشكل مختصر، كما سلطنا الضوء على طيبة أهلها وصفاء نفوسهم، وتجليات الأصالة في تعاملاتهم وأيامهم الرمضانية المضيئة.
وما يحزّ في النفس ويدعونا للأسى والحزن هو الحال الذي وصلت إليه بساتين ومقاشم صنعاء القديمة اليوم، بعد أن كانت أحد أبرز معالم المدينة الخضراء الممتدة بين البيوت التاريخية.
على امتداد قرون، شكّلت هذه البساتين والمقاشم متنفسًا لأبناء صنعاء القديمة، وواحاتٍ خصبة خضراء تنبض بالحياة. وكانت الأرض الزراعية فيها تجود بأنواع الخضروات المختلفة: كراث، نعناع، فجل، كزبرة، ثوم، بصل، وطماطم، وبعض الفواكه، وغيرها من النباتات العطرية التي تضفي على الجو نفحات من الروائح الطيبة، إلى جانب الأشجار العطرية مثل الريحان، والشذاب، وورود محلية أخرى. لم تكن هذه البساتين مجرد مساحات خضراء، بل كانت قوة اقتصادية صغيرة تشغل الأيادي العاملة، وتمنح السكان المحليين مصدر رزق ومعيشة، واكتفاء ذاتي من الخضروات وبعض الفواكه.
لكن، وللأسف، ما كان يومًا منارة خضراء ومزارًا طبيعيًا، أصبح اليوم يشكو من الإهمال والتهميش. فقد تحولت هذه المساحات إلى مكبات للقمامة وأراضٍ قاحلة، بعد أن كانت عامرة ومفعمة بالحياة، وتنتج الغذاء الطازج لسكان المدينة القديمة. وما يثير الأسى أن عدد بساتين ومقاشم صنعاء القديمة كان يقارب 40 بستانًا ومقشمة، منها: بستان القاسمي، والفليحي، ومقاشمة غزل الباشا، ومقشامة الوشلي، ومقشامة الجامع الكبير، وبستان البكيرية، وبستان قبة المهدي، وبستان الأبهر، وغيرها الكثير من المقاشم والبساتين التي كانت بجوار الجوامع، وتسقى من مياه الوضوء النظيفة، ومن الآبار التي كانت توجد بجوار الجوامع. أما اليوم فلم يبقَ منها حيًّا إلا بعدد أصابع اليد الواحدة، بعد أن تصحرت أو تهدمت معظمها، أو تُركت للحطام والإهمال.
وهذا الإهمال لا يمسّ فقط الجمال البصري للمدينة، بل يهدد التراث الزراعي والتاريخي الذي ارتبط باسم صنعاء القديمة. فهذه البساتين كانت تشكل جزءًا من هوية المدينة، وربطت الأجيال بالماضي الأخضر، ومعالم الحياة البسيطة التي كان يعيشها سكانها.
لذلك، نوجه مناشدة صادقة إلى كلٍّ من الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية، والهيئة العامة للأوقاف، للعمل الجاد على إعادة هذه البساتين والمقاشم إلى حالتها الخضراء، والحفاظ على ما تبقى منها، ومنحها الاهتمام اللازم؛ لتكون متنفسًا وحياةً للمدينة وسكانها كما كانت في الماضي. إن الحفاظ على هذه البساتين لا يمثل فقط استعادةً للمساحات الخضراء، بل هو حفظٌ لتراث صنعاء القديم، وعودةٌ للهوية الثقافية والزراعية للمدينة.
إن إعادة الحياة إلى بساتين ومقاشم صنعاء القديمة ليست رفاهية، بل ضرورة تحافظ على التراث والأرض والزراعة الأصيلة، وتستعيد جزءًا من روح المدينة التي لطالما كانت نموذجًا للأصالة والطيبة والنقاء.