سلاطين تعز ومشاهيرها (30)

سلاطين تعز ومشاهيرها (30)

الشهيد الأديب محمد عبدالولي:

في العدد الماضي كتبت ما تيسر من معلومات عن حياة الشهيد الأديب محمد أحمد عبدالولي وعن نتاجه الفكري والأدبي وظروف استشهاده.. كما كتبت جزءًا من توصيف روايته العالمية المعنونة: "صنعاء مدينة مفتوحة"

وفي هذا العدد من صحيفتنا الغراء "اليمن" استكمل توصيف الرواية وردود أفعال منع تداولها ومصادرتها من المكتبات والاكشاك عام 2004م الرواية تسميتها- كما أسلفت سابقاً- بأن أحد أبطال الرواية ينتمي جغرافياً إلى صنعاء اسمه "الصنعاني" قال: "رأيت الجيش الغازي.. مجرد أناس لا يعرفون سوى النهب كان شعار قائدهم صنعاء مدينة مفتوحة".. ذاك المواطن العادي كان يمتلك دكاناً في إحدى حوافي صنعاء القديمة خرج من منزله يتفقد دكانه ووجده منهوبا كل محتوياته من المال والضمار، ثم عاد إلى منزله وكانت صدمته عنيفة وهو يرى زوجته وطفلته قد مزق جسميهما الرصاص.
إن الرواية قد حكت عن عدة جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها في كتاب من الحجم المتوسط قياسه 20سم طولاً و14 عرضاً عدد صفحاته 94 صفحة.. نستميح الإخوة القراء وإدارة الصحيفة باستقراء بعض صفحات الكتاب وهي كالتالي:
صـ8 ناس بلادنا بدون تفكير بدون أمل في المستقبل يأكلون القات.. الكلام هذا قاله في الرواية عام 1958م أي قبل 68 عاماً ما زال بحيوته وآنيته إلى اليوم.
في صـ 10 قال عن والده الذي مارس العمل في بلاد الأخرين يحكي عن اغتراب والده والاغتراب ما زال إلى اليوم بل إنه ازداد عدة أضعاف.
وفي صـ14 يحكي عن عدم هطول الأمطار وعن تغير نفوس الناس نحو بعضهم.
وفي صـ18 قال: إن الزوجة في بلادنا ليست سوى خادمة للأرض والبيت إنها مجرد زهرة تتفتح ثم تموت, وفي هذا الشأن افتخر بطل الرواية "نعمان" بأنه الوحيد في القرية الذي اختار زوجته بنفسه.. ومعلوم أنه في ذاك الزمن الأهل هم الذين يختارون زوجة الابن وزوج البنت ولا أحد سواهم.. كما حكى عن الحياة اليومية بشفافية.
في صـ24 و 25 من كتاب الرواية تحدث عن إضرابات العمل في مدينة عدن ومقتل طالب في إحدى هذه المظاهرات ونزول قوات إنجليزية جديدة في المدينة.
في صـ25 يحكي عن محمد مقبل الذي يعمل في عدن ويشارك في المظاهرات ضد الإنجليز.. عندما كان في تعز احتجز على ظلم الحكومة الإمامية التي استولت على كل أملاكه باسم الوقف.
في صـ34 و35 واحدة من حالات جبايات الاتاوات ففي نقطة الراهدة عبث العسكر بأدواته ثم قال العسكري "لنعمان": اقطب حق العكفة يا خبير – الأجرة- رد عليه أعوذ بالله نهرب من شيطان يظهر لنا عفريت ورفض الدفع فأخذ عليه العسكري الأبريق عنوة.
من صـ47 إلى آخر الرواية تحدث مؤلفها عن عدة سنوات يحصل جفاف وتحصل مجاعة وفي سنوات أخرى تحصل أمطار جارفة وتهدم المنازل ويموت الكثير من الأطفال والنساء تحت الأنقاض.. وتتواصل أحداث الحياة.. ومن بينها الصنعاني يسرد قصته قائلاً: "سمعت أن الإمام قد قُتل ولم أبك.. ولم أضحك لأن ذهابه أو وجوده لا يهمني".
وتوالت الأحداث وحصل الذي حصل في صنعاء عام 1948م ونهبوا ثروته وقتلوا أسرته وترك صنعاء بعد أن سقطت بيد الإمام الجديد.. بعد أن تحطم كل شيء فيها حتى الإنسان ذلك الجبار الذي صنع المعجزات.
وقد قال الصنعاني:" إن كل إنسان لا يستطيع أن ينتقم لوحده ولكننا مجتمعون مع مآسينا.. نستطيع أن ننتقم".
اكتفي بهذه الفقرات من استقراء رواية الأديب محمد أحمد عبدالولي الموسومة "صنعاء مدينة مفتوحة".
وكما يلحظ القارئ فقد طرقت أوجها مختلفة للحالة اليمنية من الأربعينيات إلى الخمسينيات من القرن الماضي ومعظمها ما زالت كما كانت مع اختلاف الظروف والشخوص وتحت تسميات متعددة.. كما أن التطور الحضاري والتكنولوجي الذي شمل معظم دول العالم تأثيره عندنا محدود – هوين والله – ما زلنا محلك سر.

منع تداول الرواية وردود الأفعال
في عام 2004م تم منع تداول الرواية وتمت مصادرة النسخ المعروضة للبيع في المكتبات والاكشاك.. ووراء هذا المنع مخلوقات "الخونج" الذين لم يدركوا بأن هذا الاجراء قد رفع قيمة الرواية معنوياً ومادياً.. كما أن عدد الأدباء والكتاب اليمنيين أبدوا امتعاضهم بل إن أحد محبي الأدب قد تبنى ومول طباعتها ثانية وثالثة وتم بيعها في أرصفة الشوارع بستة أضعاف القيمة السابقة وقد نفدت خلال أيام قلائل.
وعلى الصعيد العربي احتج اتحاد الأدباء والكتاب العرب ولاحقاً في أحد مؤتمرات الاتحاد أصدروا بيان احتجاج ورفعوه إلى رئيس الجمهورية حينذاك ووقعوا عليه.. أذكر الأسماء التالية:

أحمد السقاف من الكويت.
أحمد حجازي من مصر.
عبده خال من السعودية.
أحمد إبراهيم الفقيه من ليبيا.
الأنصاري من البحرين.
ومما جاء في البيان "استناداً إلى الهامش الديمقراطي العربي نرفض حجب الرأي وتكميم أفواه الكتاب والأدباء العرب كونهم صفوة المجتمع.
في ختام هذا المقال أقول: لقد رحل الأديب محمد أحمد عبدالولي مبكراً وترك نتاجاً فكرياً غزيراً وغنياً قلما نجد مثله وعزاؤنا فيه أنه عاش شريفاً ومات شهيداً – الله يرحمه رحمة الأبرار.


طباعة